أنعم الله عليّ بزيارة المملكة العربية السعودية مراراً.
أنا من عرب شمال أفريقيا، ومن بلدي الجميل تونس تحديداً.
أقول إنني أُنتمي إلى عرب أفريقيا لأن اسمي، وكذلك اسم والدي وأجدادي، وسلالتي، لا تترك مجالاً للشك في كوني عربي الجينات، والملامح، والعيون، والحواس، واللسان.
تونس الساحرة
تونس الساحرة، التي تسارعت إلى حدائقها، وخضرتها، وخيراتها، الطيور، والأنهار، وكذلك الجيوش وقطعان من الغزاة منذ الفينيقيين، والرومان، والنوميديين، والبيزنطيين، ولنذكر بعدها “الفتوحات الإسلامية”، حيث تشكلت نسيج حضارات عميقة ومتنوعة بكل ألوان الطيف، ولم تترك لي في دمي ولساني غير وشم حروف الهجاء العربية، وموروث متلاطم من العواطف المتنافرة، ومعلقات الشعر الجاهلي، وسجع الكُهّان، ومناقب خديجة بنت خويلد، وعائشة أم المؤمنين، وجزيل عطاء وصبر وجهاد وأخلاق صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفضلهم في إعلاء كلمة الله شرقاً وغرباً، وآثار الحماسة، والعشق، والرثاء، التي لا تغيب عن القلب والوجدان في ساعات الصحو والحلم، لحظات الهدوء والغضب، ولحظات الحزن والأشجان، وفي جميع حالات العرب، سواء عند النصر أو الهزيمة، أو حين تجمعنا الطبول والولائم أو تفرقنا العصا والهزائم، كما يقول “عبد الرحمن ابن خلدون”، وتلك قصة أخرى كما يقول الأديب السوداني الكبير الطيب صالح – يرحمه الله.
أرض السعادة
نعم، سافرت شرقاً وغرباً، ولكن أراضي السعودية هي التي لها في قلبي منازل، أشم في عتباتها بخور العرب، وأستنشق في سمائها نفح الإيمان، وعزة، وعنفوان، وكبرياء العرب، وسِيَر قادة كثر صنعوا لها قلاعاً حصينة من المجد، بعيداً عن خطب رنانة، وأكوام من هتافات وتصفيق تطير في أول ريح، ومخابر لصناعة أكداس من شعارات الوهم والخديعة لشعوبهم.
التحولات في المملكة
اطمئن، إنك في السعودية، ففي زمن تتسارع فيه تحولات العالم، تبرز المملكة العربية السعودية كواحدة من التجارب التنموية اللافتة في المنطقة، فهذه البلاد مرتبطة تاريخياً بعمقها الحضاري ومكانتها الروحية، وتمضي بواثقة نحو أفق جديد من التحديث والبناء، وبين رمال الصحراء التي حفظت ذاكرة المكان، ومدن حديثة تنهض برؤية المستقبل، تتشكل فيها ملامح نهضة شاملة تعيد رسم دور المملكة في الاقتصاد العالمي والحراك الثقافي الكوني والمعرفي.
رؤية السعودية 2030
هنا، حيث تمتد الصحراء بذاكرة وعبق التاريخ، وتنهض المدن بإيقاع المستقبل، تمضي المملكة في مسار تحول سيمفوني متناسق ومتماسك يلفت أنظار العالم، فقد أصبحت في السنوات الأخيرة علامة فارقة في تاريخها المعاصر، حيث انطلقت مشاريع إصلاح وتحديث واسعة تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع ومجتمع حيوي قائم على المعرفة والتكنولوجيا والمزيد من الابتكار.
وفي قلب هذا التحول، تبرز رؤية السعودية 2030، التي تمثل إطاراً إستراتيجياً طموحاً لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني، وتوسيع آفاق الاستثمار والتنمية، فالمملكة لم تعد تعتمد على النفط وحده، بل اتجهت إلى تطوير قطاعات جديدة مثل السياحة، والتقنية، والطاقة المتجددة، والصناعات الحديثة، في مسعى واضح لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
مشاريع كبرى
وتتجسد هذه الطموحات في مشاريع كبرى بدأت في التنفيذ، مثل مشروع نيوم، ومشاريع السياحة على سواحل البحر الأحمر، وغيرها من المبادرات العمرانية والاقتصادية التي تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي للاستثمار والابتكار والسياحة.
الحراك الاجتماعي والثقافي
أما على الصعيد الاجتماعي والثقافي، فقد شهد المجتمع السعودي حراكاً متجدداً يعزز حضور الثقافة والفنون والرياضة، ويمنح الشباب والمرأة مساحة أوسع للمشاركة في الحياة العامة والإبداع، كما توسعت المبادرات التعليمية والمعرفية، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو بناء مجتمع معرفي قادر على مواكبة تحولات العصر.
تحول شامل
إن ما يجري في المملكة العربية السعودية اليوم ليس مجرد مشاريع تنموية متفرقة، بل هو مسار تحول شامل تسعى من خلاله البلاد إلى صياغة نموذج تنموي يجمع بين قوة الاقتصاد وحيوية المجتمع وإشعاع الثقافة.
وهكذا، بين حكمة الماضي وطموح المستقبل، تبدو السعودية وكأنها تكتب فصلاً جديداً من حكايتها، فصلاً يعلن بثقة أن التنمية ليست حلماً بعيداً، بل واقع يتشكل كل يوم، ولعل من يتأمل هذا المشهد المتحرك يدرك معنى العبارة التي تختصر التجربة كلها.
اطمئن، إنك في السعودية.
حادثة عند وصولي
أما قبل، وعند وصولي إلى مطار جدة العالمي بكل ما تعنيه الكلمة، وأثناء عبور بوابة المراقبة، وضعت هاتفي بالغلط في حاوية مسافر آخر أمامي، ثم سرعان ما ركضت إلى عون الأمن قائلاً: لم أجد هاتفي، ويبدو أني وضعته سهواً في حاوية مسافر آخر.
ابتسم العون ابتسامة عريضة هادئة جميلة، وهو يردد: اطمئن، إنك في السعودية، ثم ناولني هاتفي وهو ينظر إلى ارتباكي الطفولي بحب خفي.
أمسكت هاتفي وأنا أتأمل بريق محياه الأسمر، مردداً: نعم، إنها سعودية الأمن والأمان والسلم والسلام، وحصننا العربي المنيع، وملاذنا الدافئ كلما افتقدنا خيمة تؤوينا.
أرض الطيبة
ومن قبل ومن بعد، هذه الأرض الطيبة المباركة بأهلها وبأولي الأمر فيها، مهبط الوحي، وبقدسية كعبتها، وقبلة مسلمي الأرض قاطبة، ومرقد رسولنا الأعظم عليه الصلاة والسلام، وعلى آله وصحبه وسلم.
* كاتب صحفي، شاعر، عضو اتحاد الكتاب التونسيين.
