منوعات

«أسرار الشفاء السريع» لماذا تتعافى جروح الوجه بندوب أقل مقارنة بباقي الجسم؟

توصل باحثون من كلية ستانفورد للطب إلى أن تعديل نمط من التئام الجروح الذي ترسّخ منذ ملايين السنين قد يتيح مستقبلاً شفاء الإصابات الناتجة عن الجراحة أو الحوادث دون تكوّن ندوب.

أظهرت الدراسة، التي أُجريت على الفئران، أنه إذا تأكدت النتائج لدى البشر، فقد يصبح من الممكن تجنب الندوب أو حتى علاجها في أي مكان من الجسم، سواء خارجيًا أو داخليًا.

الندوب ليست مشكلة تجميلية فقط

أوضح الباحثون أن الندوب تتجاوز كونها مشكلة شكلية، إذ يمكن أن:

تعيق الوظائف الطبيعية للأنسجة.

تسبب آلامًا مزمنة.

تؤدي إلى أمراض خطيرة.

وقد تفضي إلى الوفاة.

تشير التقديرات إلى أن نحو 45% من الوفيات في الولايات المتحدة تعود إلى نوع من التليف (Scarring أو Fibrosis)، وغالبًا ما يصيب أعضاء حيوية مثل:

الرئتين.

الكبد.

القلب.

بالنسبة للندوب الجلدية السطحية، وعلى الرغم من أنها نادراً ما تكون مميتة، فإنها تكون:

أكثر صلابة.

أضعف من الجلد الطبيعي.

خالية من الغدد العرقية وبصيلات الشعر.

ما يجعلها أقل قدرة على تنظيم حرارة الجسم.

ملاحظة طبية معروفة منذ عقود

يعرف الجراحون منذ عشرات السنين أن جروح الوجه تلتئم بندوب أقل مقارنة بالجروح في مناطق أخرى من الجسم.

يُفسَّر ذلك تطوريًا بأن:

الجروح في الجسم تحتاج إلى شفاء سريع لمنع النزيف أو العدوى أو فقدان القدرة على الحركة.

بينما يتطلب شفاء الوجه الحفاظ على وظائف أساسية مثل الرؤية والتنفس والكلام وتناول الطعام.

قال الدكتور مايكل لونغاكر، أستاذ الجراحة في ستانفورد:

«الوجه هو العقار الأهم في الجسم. نحتاجه للرؤية والسمع والتنفس والأكل. أما إصابات الجسم فيجب أن تلتئم بسرعة، حتى لو لم يكن النسيج المتكوّن شبيها بالنسيج الطبيعي، لأن البقاء على قيد الحياة يظل ممكنا».

لماذا يختلف شفاء الوجه عن باقي الجسم؟

ظل السبب الدقيق لهذا الاختلاف غير واضح لفترة طويلة، رغم وجود بعض المؤشرات.

أوضح الدكتور ديريك وان، أستاذ الجراحة في ستانفورد:

«الوجه وفروة الرأس يتمتعان بخصوصية تطورية. فالأنسجة من الرقبة إلى أعلى تنشأ من خلايا تُعرف باسم خلايا العرف العصبي في الجنين المبكر».

أضاف أن الدراسة حدّدت مسارات شفاء محددة داخل خلايا تُسمى الخلايا الليفية (Fibroblasts)، وهي خلايا مسؤولة عن تكوين الندوب، وتلك الخلايا ذات الأصل من العرف العصبي تقود نمط شفاء أكثر تجددا وأقل تليفا.

نتائج مذهلة في النماذج الحيوانية

عند تنشيط هذا المسار حتى في جزء صغير من الخلايا الليفية المحيطة بجروح صغيرة في بطن أو ظهر الفئران، لوحظ أن الجروح تلتئم بندوب أقل بكثير، وبطريقة تشبه شفاء جروح الوجه أو فروة الرأس.

وقد نُشرت الدراسة في مجلة Cell العلمية المرموقة.

من هم الباحثون الرئيسيون؟

المؤلفان الرئيسيان:

الدكتور مايكل لونغاكر.

الدكتور ديريك وان.

المؤلفان الرئيسيان المشاركان:

الدكتورة ميشيل غريفين.

الدكتور دايان لي.

يضم فريق البحث عددًا كبيرًا من الأطباء والعلماء السريريين.

كيف تمّت الدراسة عمليا؟

استخدم الباحثون فئران مختبر لدراسة اختلاف التئام الجروح في:

الوجه.

فروة الرأس.

الظهر.

البطن.

تم إحداث جروح جلدية صغيرة بعد تخدير الحيوانات، ثم تثبيت الجروح بحلقات بلاستيكية صغيرة لمنع اختلاف قوى الشد أثناء الحركة، مع تقديم مسكنات للألم طوال فترة الشفاء.

اختلاف واضح في البروتينات المسببة للندوب

بعد مرور 14 يومًا، أظهرت النتائج أن:

جروح الوجه وفروة الرأس عبّرت عن مستويات أقل من البروتينات المرتبطة بتكوّن الندوب.

كانت الندوب أصغر حجمًا مقارنة بجروح الظهر والبطن.

كما قام الباحثون بزراعة جلد من مناطق مختلفة في فئران أخرى، وكرروا التجربة، فظهرت النتائج نفسها، مما يؤكد أن الاختلاف نابع من طبيعة الخلايا نفسها وليس من موقع الجرح فقط.

دور الخلايا الليفية في تقليل الندوب

قام الفريق بعزل الخلايا الليفية من المناطق الأربع وحقنها في ظهور فئران أخرى.

لوحظ أن:

الخلايا الليفية المأخوذة من الوجه أدت إلى تقليل الندوب.

مقارنة بالخلايا الليفية المأخوذة من فروة الرأس أو الظهر أو البطن.

قال الدكتور لي:

«لا نحتاج إلى تعديل جميع الخلايا الليفية للحصول على نتيجة إيجابية. حتى عندما شكّلت الخلايا المعدّلة 10% إلى 15% فقط من إجمالي الخلايا، شُفيت الجروح كما لو كانت جروح وجه، مع ندوب أقل بكثير».

مسار شفاء أقل تليفا

كشف التحليل الجيني عن اختلافات واضحة في التعبير الجيني بين الخلايا الليفية في الوجه وبقية الجسم.

توصل الباحثون إلى مسار إشاري تقوده بروتينات، أبرزها بروتين يُعرف باسم ROBO2، يحافظ على الخلايا الليفية الوجهية في حالة أقل تليفا.

كما وُجد أن الحمض النووي في هذه الخلايا:

أقل نشاطًا نسخيًا.

وأكثر تشابهًا مع خلايا العرف العصبي الأصلية.

وأكثر قدرة على التجدد وتكوين أنواع مختلفة من الخلايا.

دور بروتين EP300 وإمكانية العلاج الدوائي

يعمل ROBO2 من خلال تثبيط بروتين آخر يُعرف باسم EP300، وهو بروتين يسهل التعبير الجيني ويساهم في تكوين الندوب، كما يلعب دورًا في بعض أنواع السرطان.

يخضع حاليًا دواء صغير مثبط لـ EP300 لتجارب سريرية.

وقد وجد الباحثون أن استخدام هذا المركّب الدوائي في الخلايا الليفية المعرضة للتليف جعل جروح الظهر تلتئم بطريقة مشابهة لجروح الوجه.

آفاق مستقبلية لعلاج الندوب

قال الدكتور ديريك وان:

«بعد فهم هذا المسار والاختلافات بين الخلايا الليفية ذات الأصول الجنينية المختلفة، أصبح بإمكاننا التفكير في تحسين التئام الجروح بعد الجراحة أو الإصابات».

أضاف الدكتور لونغاكر أن هذه النتائج قد تنطبق أيضًا على الندوب الداخلية، مؤكدًا أن آليات التليف متشابهة في معظم أنسجة الجسم.

«لا توجد طرق كثيرة لتكوين الندوب، وهذه النتائج تشير بقوة إلى وجود آلية موحدة يمكن استهدافها لعلاج أو منع التليف».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى