بدأتُ الكتابة بانتظام في عام 2012 من خلال عمود «نيوتن» اليومي في «المصري اليوم»، حرصت دائمًا على تقديم محتوى فريد للقارئ، يحتوي على معلومات جديدة وآراء صريحة بعيدة عن السياقات التقليدية، وبعد تجربتي مع «نيوتن»، عدت للكتابة لكن بشكل أسبوعي، واتبعت نفس النهج، كنت أخطط للكتابة عن أضرار «المزاحمة»، لكنني قررت تأجيل النشر، فقد وصلني مقال يفسر ظاهرة ترامب، التي أحدثت اضطرابًا غير مسبوق منذ الحربين العالميتين، يحتوي المقال على مادة تستحق النقاش والتأمل، وهذا هو نص المقال بتصرف.
الحقيقة وراء أحداث واشنطن
ما يحدث في واشنطن ليس مجرد نزوة رئيس، بل هو لحظة تجسيد لاستراتيجية عمرها قرنان، يفسر كثيرون الأحداث على أنها ناتجة عن شخصية ترامب، كونه رجل متهور وشعبي وصدامي، وهذا تفسير بسيط وعاطفي، فهو يفترض أن إدارة الولايات المتحدة تعتمد على مزاج فرد، وليس على المؤسسات أو الاستراتيجيات المتراكمة، فالواقع مختلف تمامًا، ترامب ليس هو صانع المشروع، بل هو المنفذ الذي جاء في الوقت المناسب، إنه نتاج الدولة العميقة، فالولايات المتحدة ليست دولة رئاسية بالمعنى الساذج، فالرئيس لا يبتكر السياسات من الصفر، بل يستند إلى ما جمعته مراكز الأبحاث ومؤسسات الأمن القومي ووزارة الدفاع واللوبيات الاقتصادية والتيارات الفكرية المحافظة، وبعض هذه المشاريع عمرها عشرات السنين، لكنها كانت مؤجلة بسبب عدم وجود شخصية قادرة على تحمل تكاليف الصدام، ترامب لم يأتي ليُبدع، بل جاء ليكسر المحرمات ويتقبل دور الرجل السلبي، وما نشهده اليوم هو إحياء عملي لمبدأ مونرو، ولكن بصورة تتناسب مع القرن الواحد والعشرين، من أهم المبادئ: أمريكا للأمريكيين، وليس كخطاب أكاديمي، بل كسياسة صارمة، رفض التمدد الصيني، وتعزيز السيطرة على الحدود كمسألة أمن قومي، ورفض التعددية الدولية التي تهدد الهيمنة الأمريكية، وهذا المبدأ ليس قانونًا جديدًا، بل عقيدة عمرها أكثر من مئتي عام، جرى تعطيلها جزئيًا بعد الحرب الباردة، واليوم يتم إعادة تفعيلها نظرًا لتغير ميزان القوة، مواجهة الهجرة ليست قرار ترامب، بل هو ملف جاهز منذ عهد بوش، وتم مناقشته في عهد أوباما، ولكن لم يكن هناك رئيس مستعد لدفع الثمن السياسي، وقد فعل ترامب ما لم يتجرأ عليه أحد غيره، حول التوصيات إلى قرارات تنفيذية.
لماذا ترامب تحديدًا؟
لأنه لا يهتم برأي الإعلام ولا يخشى الصدام، ولا يطمح لترك إرث أخلاقي، وهو مستعد لأن يلعب دور الشرير، الدولة العميقة لا تعجبها الرؤساء المثقفين، بل هؤلاء القابلين للاستخدام، وأكبر خطأ هو الاعتقاد بأن رحيل ترامب يعني نهاية المرحلة، فالجمهوريون المقبلون لا يختلفون عنه في الجوهر، بل كثير منهم أكثر تطرفًا، ما سيتغير هو الأسلوب وليس الاتجاه، الذين سيأتون بعده سيقودون المشروع بشكل أكثر هدوءًا، وليس بتراجع.
أهمية هذا للعالم العربي
لأن أمريكا تعود إلى منطق النفوذ وليس القيم، ستصبح الأولوية للداخل وليس لنشر الديمقراطية، وسيتعين على الدول الضعيفة مواجهة الفوضى، التحول الاستراتيجي بدأ، والتنفيذ جارٍ، نحن نواجه عالمًا تحكمه المصالح بعيدًا عن الشعارات والصرخات والمشاريع الفاشلة، وتكرار نفس الأخطاء، وهذا المقال مستخلص من تقارير وتحليلات لمراكز أبحاث دولية عدة، بما في ذلك مؤسسة بروكينجز البحثية الأمريكية.
