تعتبر جائحة «كوفيد-19» حدثًا غير مسبوق في التاريخ، ففي أواخر عام 2019، ظهر فيروس جديد لم يكن معروفًا للعلماء، وأدى إلى وفاة أكثر من 25 مليون شخص، بالإضافة إلى خسائر اقتصادية تقدر بتريليونات الدولارات.
تقييم «كوفيد-19» كجائحة عادية
لكن دراسة جديدة أشارت إلى أن «كوفيد-19» كان بالأساس مشابهًا لأوبئة أخرى، حيث قارن الباحثون سبع حالات من الفاشيات الفيروسية التي حدثت في العقود الأخيرة، بما في ذلك أوبئة «كوفيد-19» وإيبولا والإنفلونزا، ووجدوا أن معظم هذه الفاشيات لم تكن مصحوبة بتغيرات جينية غير معتادة في الفيروسات، فالعدوى انتشرت بين الحيوانات وحصلت على القدرة على الانتقال إلى البشر بمحض الصدفة.
تحليل جينات الفيروسات
يقول جويل ويرثيم، خبير الفيروسات في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، الذي نشر نتائج الدراسة يوم الجمعة في مجلة «سيل»: «هذا النمط يتكرر كثيرًا»، حيث أعاد ويرثيم وفريقه بناء التاريخ التطوري للفيروسات من خلال دراسة جيناتها، وتتبعوا كيف حصلت الفيروسات على أنواع متعددة من الطفرات قبل أن تتسبب في الفاشيات، ودرسوها بعد انتقالها إلى البشر.
جائحة الإنفلونزا الأمريكية 2009
في إحدى تحليلاتهم، درس العلماء جائحة الإنفلونزا عام 2009. في ذلك العام، ظهرت سلالة جديدة من الإنفلونزا في أمريكا الشمالية، وأصابت ربع سكان العالم، مما أدى إلى وفاة حوالي 230 ألف شخص. أظهرت دراسات أخرى أن الفيروس انتقل من الخنازير، حيث تكتسب فيروسات الإنفلونزا طفرات بشكل متكرر، وبعض هذه الطفرات كانت تعيق الانتشار بين الخنازير، بينما منحت أخرى ميزات تطورية.
التطور الجيني العادي قبل الانتقال للبشر
السلالة التي انتقلت إلى البشر عام 2009 كانت قد انقسمت كفرع تطوري مستقل قبل ذلك بعقد على الأقل، وكان تطورها قبل انتقالها للبشر طبيعياً، بحيث كانت أنماط الطفرات المكتسبة تتماشى مع ما يُتوقع من أي فيروس إنفلونزا ينتشر بين الخنازير.
التحولات بعد إصابة البشر
تغير الوضع جذريًا بعد إصابة البشر، حيث اكتسب فيروس الإنفلونزا العديد من الطفرات الجديدة، أما في الخنازير، فإن تلك الطفرات كانت قد تعيق قدرته على التكاثر، لكن بعد الاستقرار في مضيف جديد، بدأ الفيروس يتكيف لينتشر بنجاح بين البشر.
وباء الإيبولا
أجرى ويرثيم وزملاؤه نفس التحليل على تفشيات أخرى، مثل وباء الإيبولا الذي اجتاح غرب أفريقيا عام 2013 الذي يُعتقد أنه نشأ في الخفافيش. لوحظ نفس النمط المتكرر بأن الفيروسات التي انتقلت في النهاية إلى البشر لم تتطور بشكل غير عادي قبل ذلك، لكنها شهدت تغييرات جذرية بعد ذلك.
الإنفلونزا الروسية: اللقاح المتسرب من المختبر
لكن دراسة جديدة أظهرت أن أحد الفيروسات كان استثناءً بارزًا، حيث تشير طفراته الفريدة إلى أنه قد انتشر نتيجة خطأ علمي، في عام 1977، اجتاحت العالم جائحة تُعرف باسم الإنفلونزا الروسية، ولم تكن أقرب الفيروسات لها موجودة في الحيوانات، بل كانت مشابهة لتلك التي كانت منتشرة في الخمسينيات. التكهنات حول أصل الإنفلونزا الروسية تشير إلى أنه قد يكون ناجمًا عن خطأ علمي أثناء محاولة تطوير لقاح.
طفرات الفيروسات المعملية
لم يعثر الباحثون على دليل مباشر لاختبار هذا السيناريو، ومع ذلك، توصلت الدراسة الجديدة إلى أن فيروس عام 1977 قد شهد تطورًا غريبًا قبل الجائحة، حيث أن أنماط الطفرات به تشبه تلك الموجودة في الفيروسات المزروعة في المختبر. وقالت جيجي غرونفال، خبيرة الأمن البيولوجي، إن هذه الدراسة تشير إلى أن جائحة عام 1977 بدأت كتجربة لقاح فاشلة.
«كوفيد-19»: لا توجد تحولات ملحوظة قبل إصابة البشر
من بين حالات التفشي التي تم تحليلها، كان فيروس الإنفلونزا الروسية هو الاستثناء الوحيد. أما فيروس «سارس-كوف-2» المسبب لـ «كوفيد-19»، فلم يُظهر أي تغييرات غير عادية قبل انتقاله إلى البشر، بل حظي بعدة طفرات أثناء انتقاله بين الخفافيش، ولم يشهد أي تحولات ملحوظة حتى بعد ظهوره لدى البشر، مما أتاح له التكيف بشكل أكثر مع البشر.
أصل «كوفيد»: مختبر أم طبيعة؟
تساهم هذه الدراسة في النقاش حول أصول فيروس «كوفيد-19»، فبينما يؤكد البعض على إمكانية نشأته من مختبر، توصل خبراء آخرون إلى أنه نشأ في الخفافيش ومن ثم انتقل إلى الحيوانات الموجودة في سوق ووهان، مشيرين إلى دعم الأدلة العلمية لهذه الفرضية. ويرثيم يؤكد أن نمط الطفرات في فيروس «كوفيد-19» يتماشى مع أنماط التفشيات الطبيعية، مما يشير إلى احتمالية نشأته بشكل عرضي من تطور طبيعي.
رؤى جديدة حول الفيروسات الحيوانية المنشأ
توفر هذه الدراسة رؤى جديدة حول الفيروسات الحيوانية المنشأ بشكل عام، حيث يمكن أن تنتشر هذه الفيروسات في الطبيعة دون الحاجة إلى تغييرات لتنتقل بنجاح إلى البشر، مما يعني إمكانية حدوث مزيد من الأوبئة في المستقبل. ويرثيم يختتم بأنهم ليسوا على دراية بما يمكن أن يصيبهم في المستقبل، ولكن الفيروسات موجودة وجاهزة للانتشار.
* خدمة «نيويورك تايمز».
aawsat.com
