«تداعيات حرب إيران تصل إلى السودان وتأثيرها على البحر الأحمر»

«تداعيات حرب إيران تصل إلى السودان وتأثيرها على البحر الأحمر»

وفي وقت تعاني فيه البلاد من حرب داخلية مدمّرة منذ أبريل 2023، يخشى مراقبون من أن يؤدي التصعيد الإقليمي إلى تعقيد الصراع السوداني وإعادة تشكيل موازين القوى في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

السودان كحلقة استراتيجية

يمثّل السودان حلقة استراتيجية في شبكة الأمن الإقليمي الممتدّة من الخليج إلى القرن الإفريقي، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي على البحر الأحمر، بل أيضاً بسبب ارتباط اقتصاده وسلاسل إمداده بدول الخليج.

تداعيات الأزمة الخليجية

ومع اتساع المواجهة في منطقة الخليج العربي، بدأت تداعياتها تظهر تدريجياً على الاقتصاد السوداني، وعلى حركة التجارة الدولية والمساعدات الإنسانية.

ممرات التجارة في قلب التوتر

يرى خبراء أن الحرب الدائرة في الخليج قد تنقل جزءاً من ثقلها الجيوسياسي إلى البحر الأحمر، الذي يربط الخليج العربي بقناة السويس والبحر المتوسط. وحذر ليام كار، الباحث في شؤون البحر الأحمر، من أن المنطقة أصبحت واحدة من أكثر المناطق تنافساً في العالم، مضيفاً أن أي تصعيد إقليمي قد يفاقم الصراع في السودان ويهدد طرق التجارة الدولية.

البحر الأحمر والتجارة العالمية

وفقاً لدراسة نشرت حول الأمن في البحر الأحمر واليمن والقرن الإفريقي، فإن البحر الأحمر أصبح منطقة تنافس متزايد بين قوى إقليمية ودولية، ويفصله نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية، وما يقرب من 30 بالمئة من تجارة الحاويات بين آسيا وأوروبا، مما يجعله أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي.

تعزيز التواجد العسكري

ويحذر محللون من أن التوتر المتصاعد قد يدفع القوى الإقليمية والدولية إلى تعزيز وجودها العسكري والبحري في المنطقة لحماية خطوط التجارة والطاقة، وهو ما قد يزيد من عسكرة البحر الأحمر ويضاعف المخاطر الأمنية على دوله الساحلية.

السودان بين حربين

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه السودان حربًا داخلية بين الجيش وقوات الدعم السريع، مما يجعل البلاد عرضة لتأثيرات الصراعات الإقليمية. قال وزير الطاقة السوداني السابق، عادل علي إبراهيم، إن السودان يعد من أكثر الدول عرضة لتداعيات الحرب في الخليج بسبب اعتماده الكبير على الوقود المستورد من المنطقة.

نقص إمدادات الوقود

وأعلنت وزارة الطاقة التابعة للسلطة القائمة في بورتسودان، في بيان يوم السبت، أنها تدرس خيارات لمواجهة مشكلة نقص إمدادات الوقود المحتملة في ظل الحرب المشتعلة في منطقة الخليج العربي. وتشير بيانات رسمية إلى أن السودان يستورد معظم احتياجاته من الوقود من دول الخليج، لذا فإن أي اضطراب في طرق الشحن أو ارتفاع في أسعار الطاقة يعد عاملاً مباشراً في زيادة الضغوط الاقتصادية على البلاد.

تحذيرات اقتصادية

وحذرت أوديل رينو باسو، رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، من أن الصراع مع إيران قد يشكل خطراً على النمو الاقتصادي بسبب ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق. ويرى مراقبون أن هذه التطورات قد تزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي في السودان، الذي يعاني بالفعل من انهيار العملة، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع النشاط الاقتصادي بسبب الحرب.

تداعيات إنسانية متزايدة

ولا تقتصر آثار التصعيد الإقليمي على الاقتصاد والأمن، بل تمتد أيضاً إلى المجال الإنساني، حيث يعتمد ملايين السودانيين على المساعدات الدولية للبقاء. وأفاد مسؤولون في منظمات الإغاثة بأن الحرب الإيرانية عطّلت طرق النقل عبر الخليج، مما أدى إلى تأخير المساعدات الإنسانية الموجهة إلى السودان.

تأخر المساعدات الغذائية

وفي السياق ذاته، قال جان مارتن باور، مدير الأمن الغذائي في برنامج الأغذية العالمي، إن الحرب في الشرق الأوسط تعطل خطوط الإمداد العالمية، مضيفاً: “الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة بشدة سيضطرون إلى الانتظار فترة أطول للحصول على الغذاء”. يأتي ذلك في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح ما يقارب 14 مليون سوداني إلى مراكز النزوح واللجوء، وزيادة انعدام الأمن الغذائي في مناطق واسعة.

القرن الإفريقي في دائرة الصراع

ويمتد تأثير التصعيد الإقليمي إلى منطقة القرن الإفريقي، التي أصبحت جزءاً من شبكة التنافس الجيوسياسي المرتبطة بالبحر الأحمر. وقال محمد مارشال، المحلل الجيوسياسي للقرن الإفريقي، إن المنطقة لم تعد هامشية، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر “بالأحداث في الخليج، وحرب السودان، ومسارات التجارة العالمية”.

التنافس الإقليمي في القرن الإفريقي

وفي السياق ذاته، قال يام كار ومايكل دي أنجيلو، الباحثان في مشروع التهديدات الحرجة، إن المنافسة بين دول الخليج وتركيا في القرن الإفريقي تفاقم الصراعات القائمة، وتزيد خطر حرب بالوكالة عبر البحر الأحمر. ويرى محللون أن هذه التنافسات قد تؤدي إلى تعقيد الأوضاع الأمنية في المنطقة، خصوصاً في ظل وجود قواعد عسكرية وممرات بحرية استراتيجية ومناطق نزاع مفتوحة.

مخاطر أمنية على البحر الأحمر

تزداد هذه المخاوف مع إعلان فصائل وكتائب متشددة متحالفة مع الجيش السوداني دعمها لإيران في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو تطور قد يضيف بعداً أيديولوجياً إلى الصراع الإقليمي، ويزيد من احتمالات توسع المواجهة.

معادلة إقليمية معقدة

في ظل هذه التطورات، يبدو السودان عالقاً في تقاطع أزمات متعددة، حرب داخلية مدمّرة، وتوترات إقليمية متصاعدة، ومنافسة دولية على النفوذ في البحر الأحمر. ويرى مراقبون أن استمرار الحرب في السودان بالتزامن مع تصاعد التوتر في الخليج قد يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة، ويضع البحر الأحمر والقرن الإفريقي في قلب معادلة أمنية جديدة. وبينما تسعى القوى الدولية إلى احتواء التصعيد في الخليج، تبقى المخاوف قائمة من أن تتحول هذه المواجهة إلى عامل إضافي يفاقم الأزمات في السودان، ويعقّد الجهود الرامية إلى وقف الحرب، ويزيد من هشاشة الأمن الإقليمي في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.