حشرات تنتج حرارة لتفادي التجمد في الأجواء المتجمدة

حشرات تنتج حرارة لتفادي التجمد في الأجواء المتجمدة

كشفت دراسة جديدة من جامعة “نورثويسترن” الأمريكية عن آلية رائعة تتيح لذبابة الثلج البقاء نشطة في ظروف درجات الحرارة تحت الصفر، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم تكيف الكائنات مع بيئات قاسية.

توصل الباحثون إلى أن هذه الحشرة الصغيرة، التي لا تمتلك أجنحة، ليست فقط قادرة على تحمل البرودة، بل تقوم أيضاً بتوليد الحرارة داخل جسمها وإنتاج بروتينات مضادة للتجمد، مما يعكس مجموعة غير تقليدية من التكيفات البيولوجية.

تعيش ذبابة الثلج على سطح الثلوج، وتبحث عن شركاء للتزاوج ووضع البيض، في ظروف من المؤكد أنها قاتلة لكثير من الحشرات الأخرى، ورغم ذلك، تستطيع البقاء نشطة في درجات حرارة تصل إلى 6 درجات مئوية تحت الصفر، مما يثير دهشة العلماء ويدفعهم لاستكشاف كيفية تأقلم الكائنات مع ظروف قاسية.

درجة حرارة البيئة

بينما تعتمد معظم الحشرات، التي تُعرف بأنها “ذات دم بارد”، على حرارة البيئة لتحديد نشاطها، فإن ذبابة الثلج تتبع نهجاً مختلفاً، حيث تفضل الأجواء الباردة وتبتعد عن الحرارة المرتفعة، مما يميزها بشكل واضح عن باقي الحشرات.

لتحليل قدرات هذه الحشرة، قام الباحثون بتسلسل الجينوم الكامل لذبابة الثلج، ثم قاموا بمقارنته بجينومات حشرات أخرى تفتقر إلى القدرة على تحمل البرودة. واعتمدوا على تحليل الحمض النووي الريبي لاستيضاح الجينات النشطة التي تستخدمها الحشرة في مواجهة الظروف القاسية.

أظهرت النتائج وجود مجموعة غير تقليدية من الجينات، وصفها الباحثون بأنها “تشبه جينات كائن فضائي” بسبب عدم وجود تطابقات واضحة لها في قواعد البيانات العلمية، وتبين لاحقاً أن هذه الجينات تلعب دوراً في إنتاج بروتينات مضادة للتجمد، التي تعمل بشكل مشابه للبروتينات الموجودة لدى أسماك القطب الشمالي، حيث تمنع هذه البروتينات نمو بلورات الجليد داخل الخلايا، مما يحميها من تلف التجمد.

بروتينات ضد التجمد

كما اكتشف الباحثون جينات ترتبط بعمليات إنتاج الطاقة والحرارة داخل الخلايا، مشابهة لتلك الموجودة في الأنسجة الدهنية البنية لدى الثدييات، مما يشير إلى أن ذبابة الثلج تمتلك آلية مماثلة على مستوى الخلايا لتوليد الحرارة خلال فترات البرد.

تجمع هذه الحشرة بين استراتيجيتين مختلفتين من التطور: إنتاج الحرارة كما تفعل الثدييات، ومنع التجمد كما تفعل الأسماك القطبية، مما يوضح كيف يمكن للكائنات أن تتطور لتجد حلولاً مبتكرة لمشاكل بيئية مشتركة.

للتحقق من فعالية البروتينات المضادة للتجمد، قام الباحثون بتعديل ذباب الفاكهة وراثياً لإنتاج أحد هذه البروتينات، وعرضوه لدرجات حرارة منخفضة في المختبر، وأثبتت النتائج أن الذباب المعدل كان أكثر قدرة على البقاء مقارنة بالذباب العادي، مما يدعم فكرة فعالية هذه البروتينات في منع التجمد.

كما أجرى الفريق اختبارات لقياس درجة حرارة جسم ذبابة الثلج في بيئات منخفضة الحرارة، ووجدوا أنها تحافظ على درجة حرارة أعلى قليلاً مما هو متوقع، دون ارتعاش، مما يدلل على أن عملية إنتاج الحرارة تتم على المستوى الخلوي.

كشفت الدراسة أيضاً أن ذبابة الثلج أقل حساسية للألم الناتج عن البرودة مقارنة بحشرات أخرى، إذ أظهرت أن أحد البروتينات الحسية المرتبطة باستشعار المؤثرات الضارة أقل حساسية بما يصل إلى 30 مرة مقارنة بما هو موجود لدى أنواع أخرى، مما يمكنها من تحمل الظروف القاسية دون عرقلة وظائفها الحيوية.

تساهم هذه النتائج في فهم كيفية تأقلم الكائنات مع البيئات المتطرفة، وتفتح المجال لتطوير تقنيات جديدة تهدف إلى حماية الخلايا والأنسجة من أضرار البرودة، مما قد يكون له تطبيقات في مجالات الطب الحيوي والتخزين الحيوي. يخطط الفريق البحثي لمواصلة استكشاف آليات إنتاج الحرارة لدى ذبابة الثلج، بالإضافة إلى التعرف على مزيد من البروتينات المضادة للتجمد، للتأكد مما إذا كانت كائنات أخرى تتبع استراتيجيات مشابهة للبقاء في ظروف قاسية.