
في تحول ملحوظ في مجال علاج سرطان المعدة، أعلنت السلطات الصحية في اسكتلندا عن اعتماد علاج موجه جديد يُعد الأول من نوعه في البلاد، حيث يهدف هذا الدواء إلى مواجهة أحد أكثر أنواع السرطان شراسة، من خلال استهداف بروتين معين يُميز الخلايا السرطانية دون التأثير على الخلايا السليمة، مما يعكس تقدمًا نوعيًا في الطب الشخصي.
استراتيجية جديدة لعلاج الأورام
عادة ما تعتمد العلاجات التقليدية للسرطان على تدمير الخلايا سريعة الانقسام بشكل عشوائي، مما يؤدي إلى آثار جانبية مرهقة، بينما هذا العلاج المبتكر يستند إلى استراتيجية موجهة تركز على الخصائص الجزيئية للورم نفسه، وهو ما يدعمه البروفيسور راسل بيتي، أستاذ علم الأورام الطبية بجامعة دندي، حيث أعلن أن هذه الخطوة تمثل تطورًا حقيقيًا في فلسفة علاج السرطان، مما يتيح استهداف ميزات خلوية معينة تتواجد فقط في الأورام الحاملة لبروتين CLDN18.2، مما يعزز الدقة ويقلل من الضرر للأنسجة السليمة، والنتيجة النهائية هي إطالة عمر المريض وتحسين جودة حياته مع عائلته.
كيف يعمل العلاج الجديد؟
يعتمد هذا العلاج على تقنية الأجسام المضادة أحادية النسيلة، التي ترتبط بدقة بخلايا الورم، حيث يُعبر عن بروتين CLDN18.2 عادة في خلايا بطانة المعدة السليمة، ولكنه يكشف عن نفسه عند تحول الخلايا إلى خلايا خبيثة، هنا يتدخل الدواء ليرتبط بالبروتين الموجود على سطح الخلايا السرطانية، مما يحفز الجهاز المناعي لتدميرها عبر آليات متعددة، تشمل السمية الخلوية المعتمدة على الأجسام المضادة وتفعيل المتممة، ما يؤدي إلى القضاء الانتقائي على خلايا تحمل هذا البروتين، وقد أظهرت الإحصائيات أن حوالي 38% من مرضى سرطان المعدة والمريء يحملون هذا البروتين، مما يوفر الأمل لعدد كبير من المرضى الذين لم يكن لديهم خيارات علاج فعالة من قبل.
واقع المرض والتحديات العلاجية
يعد سرطان المعدة من أكثر السرطانات فتكًا على مستوى العالم، حيث يحتل المرتبة الخامسة في معدلات الإصابة والرابعة في نسب الوفيات، وقد سجلت منظمة الصحة العالمية أكثر من 700 ألف حالة وفاة بهذا المرض في عام 2020، في المملكة المتحدة، يمثل المرض حوالي 2% من حالات السرطان الجديدة سنويًا، ويزداد انتشاره بين الرجال وكبار السن فوق سن الخامسة والسبعين، غالبًا ما يتم اكتشافه في مراحل متأخرة نظرًا للأعراض المبهمة مثل عسر الهضم وفقدان الشهية، وبالتالي، فإن حوالي 60% من الحالات تُعتبر غير قابلة للجراحة عند التشخيص الأولي، وتبقى فرص البقاء على قيد الحياة بعد عام واحد في حدود 20%.
نتائج الأبحاث السريرية
تمت الموافقة على الدواء بعد دراسة نتائج مرحلتين تفصيليتين من التجارب السريرية الدولية، شملت أكثر من ألف مريض، وحققت نتائج مشجعة للغاية، حيث أظهرت الدراسة الأولى زيادة في متوسط البقاء دون تطور المرض من 8.6 أشهر إلى أكثر من 10.6 أشهر عند دمج الدواء مع العلاج الكيميائي، بينما ارتفعت معدلات البقاء الكلي من 15.5 إلى أكثر من 18 شهرًا، بينما أظهرت الدراسة الثانية تحسينًا مشابهًا مع تمديد فترة السيطرة على المرض وتحسين جودة الحياة للمرضى، مما أكد فعالية وأمان الدواء مقارنة بالعلاجات التقليدية.
جرعات وطرق الإدارة
يُعطى الدواء عبر تسريب وريدي بجرعات تعتمد على مساحة سطح الجسم، حيث تبدأ بجرعة تمهيدية ثم تُكرر بشكل منتظم كل أسبوعين أو ثلاثة، وفقًا لحالة المريض واستجابته، وتستمر خطة العلاج حتى ملاحظة تقدم في المرض أو ظهور أعراض جانبية يصعب تحملها، والأعراض الأكثر شيوعًا تشمل الغثيان، انخفاض الشهية، والقيء بمستويات متفاوتة.
تطبيق العلاج في النظام الصحي
أكدت اللجنة الاستشارية لاتحاد الأدوية أن اعتماد هذا الدواء يمثل تقدمًا علاجيًا مهمًا للمرضى الذين لا يمكنهم تلقي العلاج المناعي أو لديهم موانع طبية تحول دون ذلك، وسيتطلب تنفيذ العلاج بشكل واسع النطاق تجهيزات إضافية في المختبرات لإجراء اختبار خاص يحدد وجود بروتين CLDN18.2 في أنسجة الورم، مما قد يتطلب تطوير بروتوكولات جديدة في علم الأمراض السريري، ويُقدر أن حوالي 67 مريضًا سنويًا في اسكتلندا سيكونون مؤهلين لتلقي هذا العلاج من بين قرابة 386 حالة من سرطان المعدة المتقدم، ومن المتوقع أن يفتح هذا القرار بابًا للتوسع في استخدام العلاج الموجه في المملكة المتحدة مستقبلًا، مما يعزز طبًا دقيقًا كأحد الأعمدة الأساسية لعلاج السرطان الحديث.




