
ترجمة: خليل مثنى العمري
تبدو الحرب في اليمن بعيدة عن جزيرة سقطرى ذات الملامح الفردوسية، غير أن السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تخوضان صراعاً متزايداً على النفوذ هناك.
اكتشف المؤثرون المهتمون بالسفر جزيرة سقطرى بوصفها جنة طبيعية، ولكنها اليوم ساحة تتجاذبها القوى الكبرى، فعلى الرغم من التحذيرات الشديدة من السفر إلى اليمن، يظهر أرخبيل سقطرى على الإنترنت كوجهة هادئة وخالية من المتاعب، شبّان من صنّاع المحتوى وسياح مغامرون يتوافدون إليها بأعداد متزايدة، مدفوعين بصورتها المثالية المنتشرة على المنصات الرقمية.
سقطرى: الطبيعة البكر
في جزيرة سقطرى اليمنية النائية، تسير الحياة ببطء، تنتشر أشجار دمّ الأخوين في الطبيعة، رافعة تيجانها كأنها مظلات مقلوبة في مواجهة الرياح، تعبر الماعز الجبلية الطرقات بخفة، بينما يلعب الأطفال كرة القدم حفاة فوق الكثبان الرملية، وعلى مقربة من ذلك، يدفع صياد قاربه إلى البحر بهدوء وثبات، كمن يكرر فعلاً مألوفاً عاشه طوال حياته.
الجزيرة في العزلة
تقع جزيرة سقطرى في عزلة تامة وسط بحر العرب، على مسافة تقارب ثلاثمئة كيلومتر من البرّ اليمني، ويعيش على الجزيرة نحو ستين ألف نسمة فقط، في بيئة طبيعية نادرة حافظت، إلى حدّ بعيد، على ملامحها الأصلية، ما دفع منظمة اليونسكو إلى إدراج أجزاء منها ضمن قائمة التراث العالمي.
البنية التحتية والتحديات
البنية التحتية محدودة، فالفنادق شبه معدومة، والطرق لا تتجاوز في معظمها مسارات رملية، بينما تبقى الكهرباء شحيحة، وخدمة الإنترنت إما منقطعة أو غير مستقرة، التنقل داخل الجزيرة يتم غالباً بسيارات تويوتا ذات الدفع الرباعي، والمبيت يكون في خيام بسيطة تغطي غياب المرافق السياحية التقليدية.
صورة سقطرى المختلفة
هذه الصورة الطبيعية الهادئة تخلق انطباعاً بأن سقطرى كيان منفصل عن اليمن، البلد الغارق في حرب أهلية منذ عام 2015، وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في ترسيخ هذا التصور، إذ تُعرض الجزيرة على المنصات الرقمية كملاذ آمن ومنعزل عن الصراع، ورغم التحذيرات الدولية من السفر إلى اليمن، باتت سقطرى تستقطب صُنّاع محتوى شباباً وسياحاً مغامرين، يسعون إلى توثيق طبيعتها عبر لقطات جوية بطائرات مسيّرة، سرعان ما تنتشر على نطاق واسع، في سردية بصرية تتجاهل السياق اليمني الأوسع.
كيف بدأت الأزمة في اليمن؟
حتى عام 1990، كان اليمن مكوّناً من دولتين، إحداهما في الشمال والأخرى في الجنوب ذات توجه ماركسي، وبعد نهاية الحرب الباردة، جرى توحيد البلاد، غير أن الوحدة لم تجلب الاستقرار، فمنذ مطلع الألفية، كان المتمرّدون الحوثيون يثيرون الاضطرابات انطلاقاً من المناطق الشمالية، وفي عام 2015، أشعلوا حرباً أهلية بالسيطرة على شمال البلاد بما في ذلك العاصمة صنعاء.
دعم دولي للصراع
اضطرت الحكومة المعترف بها دولياً إلى الفرار نحو الجنوب، وبقيت هناك بدعم من دول عربية، مثل السعودية، وأطلقت هذه الدول تحالفاً عسكرياً خاض عمليات قوية ودموية ضد الحوثيين، دون أن يؤدي ذلك إلى تغييرات حاسمة، ومنذ عام 2019، اندلع صراع آخر داخل الصراع، حين واجه المجلس الانتقالي الجنوبي الحكومة بدعم من الإمارات العربية المتحدة، ومنذ ذلك الحين، تعمّ الفوضى البلاد.
البساطة كطريقة حياة
بالنسبة لسالم، أحد سكان الجزيرة، تمثل البساطة أسلوب حياة، يعمل طاهياً، وهو في أواخر الخمسينات من عمره، بشعر أشيب ويرتدي “فُوطة”، يقول إنه يحب الحياة البسيطة في سقطرى، “الناس هنا يعيشون معاً بهدوء”، ويتحدث باللغة السقطرية التي لا تُستخدم إلا في هذه الجزيرة، “الجزيرة آمنة، جميلة، والحياة فيها بسيطة، وهذا يكفي”.
الهدوء الهشّ
غير أن هذا الهدوء يبقى هشّاً، فمن يمكث في الجزيرة فترة أطول يلاحظ كيف تنجذب تدريجياً إلى صراع يتجاوزها بكثير، فعلى الطريق الممتد من المطار إلى العاصمة حديبو، لا ترفرف الأعلام اليمنية، بل علم آخر بألوان الأحمر والأبيض والأسود، يتوسطه مثلث أزرق فاتح ونجمة حمراء.
السيطرة والانفصال
يرفرف هذا العلم فوق المباني الحكومية ونقاط التفتيش وحتى القواعد العسكرية، إنه علم المجلس الانتقالي الجنوبي، الحركة الانفصالية المدعومة من الإمارات، والتي تدير الجزيرة عبر قوات أمن خاصة بها.
علامات الصراع
في سقطرى السياحية، تعكس هذه الصراعات نفسها على المظهر العام للجزيرة، تنتصب على جانبي الطرق لافتات لمشاريع في القرى والمدارس والمستشفيات، مزينة بالأعلام والشعارات، على إحدى هذه اللافتات كُتب بالعربية: «مشروع إنشاء ثلاث محطات للطاقة الشمسية في أرخبيل سقطرى»، بدعم من صندوق أبوظبي للتنمية، مع الإشارة بوضوح إلى الشركات الإماراتية المشاركة، ولافتات أخرى تحمل شعار «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، وهي مبادرة تعمل في مجالات البنية التحتية والتعليم والصحة، إضافة إلى مشاريع الطاقة والمياه.
هيمنة المجلس الانتقالي
وفي يونيو/حزيران 2020، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على الحكم في سقطرى، منتزعاً السلطة من الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية، وفي نهاية ديسمبر/كانون الأول، شن المجلس هجوماً عسكرياً مفاجئاً على الحكومة في البرّ اليمني، وأعلن من جانبه استقلال جنوب اليمن، أعقبت ذلك اشتباكات عسكرية، لتدخل الحرب اليمنية مرحلة جديدة.
مخاوف السكان من الانفصال
يقول علي، دليل سياحي يتحدث الإنجليزية: “لا نواجه مشكلة مع أي دولة، لكن هذه الجزيرة لا تريد أن تُجرّ إلى مربع السياسة، نحن فقط نريد البقاء خارج اللعبة، وكل ما يهمنا هو فرص العمل، والطعام، والمياه، لا نطلب أكثر”، ومع ذلك، يثير دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يدير الجزيرة ويدعو لانفصال الجنوب القلق، ويضيف علي: «لا نريد الانفصال عن اليمن، نحن سقطريون وننتمي إلى اليمن، لا يمكن الوثوق بهم، لديهم أج agenda خفية، ولعبتهم خطيرة”.
تصاعد الأحداث في سقطرى
وقد امتد التصعيد بالفعل إلى سقطرى مطلع هذا العام، فبسبب إعلان الاستقلال من قبل المجلس الانتقالي، عُلّقت جميع الرحلات التجارية التي كانت تمر حصراً عبر أبوظبي، مما علق ستمئة سائح في الجزيرة، وبعد أيام، أُعيد توجيه الرحلات عبر السعودية وغادرو عبرها، وفي حديبو، خرج أنصار المجلس الانتقالي إلى الشوارع، رافعين الأعلام ومرددين الهتافات.
موقع ستراتيجي
يقول إبراهيم جلال، خبير الشأن اليمني في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إن سقطرى بعيدة عن خطوط المواجهة العسكرية، ولا تشكل أهمية حاسمة لمسار الحرب، لكنها تتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، إذ تقع الجزيرة عند تقاطع طرق بحرية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، على مسار التجارة نحو قناة السويس والبحر المتوسط، وهذا الموقع جعلها محط اهتمام قوى إقليمية ودولية.
الإعصار والمساعدات
ولكن هذه الجاذبية الاستراتيجية بقيت لفترة طويلة نظرية، حتى بالنسبة لسكان الجزيرة أنفسهم، إلى أن ضرب إعصار قوي سقطرى عام 2015، مدمراً المنازل والبنية التحتية، ومعطلاً الطرق والموانئ، ولم تكن المساعدات الدولية كافية، ويوضح جلال: “حينها بدأت الإمارات بتقديم مساعدات إنسانية، لكن ما بدأ كمساعدة تحول تدريجياً إلى بنية دائمة، مع قواعد عسكرية خاصة، وقوات أمن، وحلفاء محليين”.
الوضع الاجتماعي
يؤكد ذلك فاطمة (60 عاماً)، التي تعيش في الجبال، وتقول: “لسنوات، لم يكن هناك شيء تقريباً، لا إدارة مستقرة، ولا خدمات موثوقة، ولا أفق واضح”، في المقابل، أصبح العيش أصعب، فمنذ 2015، تقلّ الأمطار، ويضرب الجفاف الجزيرة، “الأمر يؤثر على كل شيء: الأبقار، الأرض، الطعام”.
فرص العمل المفقودة
نادراً ما تصلها مساعدات حكومية أو منظمات، “يأتون، يلتقطون الصور، يعدون بالكثير، ثم لا نسمع عنهم شيئاً”، وهذا الفراغ يجعل الجزيرة عرضة لمن يستطيع تقديم شيء، ويقول علي إن الدعم عبر الإمارات أصبح أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، لكنه يأتي بثمن.
النفوذ الإماراتي
في الوقت نفسه، وسّعت الإمارات سيطرتها على مطار سقطرى والرحلات الجوية، ويقول علي إن ذلك شكّل نقطة تحوّل: “لم يكن لنا رأي في الأمر، أرادوا طرد جميع العاملين المحليين، لكن من يسيطر على المطار، يسيطر على الجزيرة”، ولسقطرى مطار واحد فقط، ومن دونه لا سياحة، ولا تجارة، ولا مخرج.
البحث عن الأمل
رغم ذلك، جلب تدفق الزوار أملاً لبعض السكان، يقول الطاهي سالم: “السياحة توفّر عملاً، وهي تقريباً الطريقة الوحيدة للبقاء بعد سنوات من الحرب والفقر”، ولكنه يضع حدوداً واضحة: “فنادق فاخرة؟ مسابح مثل الإمارات؟ لا، لا نريد دبي هنا، يجب أن تبقى سقطرى على طبيعتها”.
شباب سقطرى ورؤية جديدة
لكن ليس الجميع ينظر بعين الشك لما يحدث في الجزيرة، يرى عبد الرحمن (22 عاماً)، وهو سائق يعمل في القطاع السياحي، الفرص أكثر من المخاطر، “السياحة تساعدنا على التقدم، نعيش هنا أفضل من مناطق أخرى في اليمن، بفضل الإمارات، توجد فرص عمل وبناء، هذا يساعد على التخفيف من الفقر”.
الامارة الثامنة
يرى الخبير بالشؤون اليمنية إبراهيم جلال أن سقطرى تعكس صراعاً إقليمياً لم تتضح ملامحه بعد، “تعاملت الإمارات مع سقطرى طويلاً كما لو كانت قاعدة خارجية، أشبه بإمارة ثامنة”، لكن هذه الاستراتيجية وصلت أقصى حدودها، مع ازدياد الدور السعودي.
أما بالنسبة لسكان الجزيرة، فالأمر أكثر صرامة، يقول علي بحزم: “حياتنا هنا ليست تجربة، نحن نعتز بثقافتنا وتقاليدنا، على من يأتي إلى هنا – دولاً أو شركات أو سياحاً – أن يحترم ذلك، يجب الحفاظ على التوازن بين ما يأتي من الخارج وطريقتنا في العيش، طالما هذا التوازن قائم، فالأمر جيد، لكن إذا اختفى، ستختفي سقطرى كما نعرفها”.
———————————–
* تحقيق صحفي ميداني نفذته الصحفية (Eugenie D’Hooghe)، ونشرته صحيفة DE TROUW الهولندية وينشره المصدر أونلاين بالتنسيق مع معدة التقرير
* (أُنجز هذا التحقيق بدعم من صندوق “باسكال ديكرووس”، والأسماء الكاملة لجميع من أُجريت معهم المقابلات معروفة لدى هيئة التحرير)
* (العنوان الأصلي: اكتشف المؤثرون في مجال السفر جنة سقطرى، لكن الجزيرة الآن أصبحت لعبة في أيدي القوى العظمى)




