«شبح التمرد العالمي يلوح في الأفق ضد الهيمنة الأمريكية بمبدأ كارني الجديد»

«شبح التمرد العالمي يلوح في الأفق ضد الهيمنة الأمريكية بمبدأ كارني الجديد»

Published On 23/1/202623/1/2026

|

آخر تحديث: 19:04 (توقيت مكة)آخر تحديث: 19:04 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

share2

في مقال رأي تحليلي بصحيفة نيويورك تايمز، يؤكد كاتب العمود ديفيد فرينش أن العالم يواجه الآن لحظة فارقة حقيقية في مسار التحالفات الدولية، حيث بات ما كان يُعتبر أزمة عابرة في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها، ليس إلا تصدّعًا بنيويًا عميقًا.

ويرجع فرينش هذا التحول إلى سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال ولايته الثانية، التي ترتكز على العدوانية والابتزاز، وتقويض أسس النظام الدولي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية،

كما أدى الغزو الروسي إلى إيقاظ أوروبا من سباتها، فإن سياسات ترمب قد تؤدي إلى نتائج مماثلة،

ويبدأ الكاتب مقاله بالإشارة إلى حدثين متزامنين خلال أسبوع واحد، اعتبرهما كاشفين للتحول الجاري.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

الأول كان رسالة بعث بها ترمب إلى رئيس وزراء النرويج يوناس غار ستوره، ربط فيها “عبثيًا” بين عدم منحه جائزة نوبل للسلام ورغبته في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، مما يظهر خلطًا فاضحًا بين الأهواء الشخصية والسياسة الدولية.

أما الحدث الثاني، والأكثر أهمية برأي فرينش، فكان خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس الاقتصادي، حيث تحدث علنا عن ما يفكر فيه الكثير من حلفاء الولايات المتحدة، وهو انتهاء زمن التسليم بالقيادة الأمريكية دون شروط.

وقد ألقى كارني كلمته يوم الثلاثاء الماضي في المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في منتجع دافوس بسويسرا، حيث أشار إلى أن النظام العالمي القائم على القوانين الذي تقوده الولايات المتحدة يعاني من “تصدع”، وقد لقي الخطاب تصفيقًا حارًا من الحضور.

تشخيص صارم

وفي مقاله في صحيفة نيويورك تايمز، أكد فرينش على أن خطورة سلوك ترمب لا تكمن فقط في طبيعته “غير العقلانية”، بل في حقيقة أن منظومة الضوابط والتوازنات داخل الولايات المتحدة نفسها أصبحت عاجزة عن كبحه،

حيث يرى الكاتب أن العزل السياسي مستبعد، وأن الكونغرس خاضع لهيمنة تيار حركة “ماغا” المؤيد للرئيس، الذي يحيط نفسه بشخصيات متماهية مع اندفاعاته،

هذا الواقع، من وجهة نظر الحلفاء، يعني أن الخطر لم يعد مؤقتًا أو مرتبطًا بشخص ترمب وحده، بل أصبح بنيويًا ومتجذرًا في السياسة الأمريكية،

ترمب يرى أن انسحابه من التزاماته تجاه الحلفاء سيمنحه حرية وقوة، وفي المقابل، أكد كارني أمله في بناء علاقات مع حلفاء جدداً.

“نظرية ترمب”

ورغم عيوب النظام الدولي القائم، إلا أنه كان قابلاً للحياة، حيث كانت الولايات المتحدة تمثل القوة المهيمنة التي تجمع بين النفوذ والمسؤولية الأخلاقية،

لكن هذا الشرط، كما ذكر كارني في خطابه، وفريش في مقاله، لم يعد قائمًا، حيث أن الولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى توفير “السلع العامة” العالمية، مثل الأمن الجماعي والاستقرار المالي وحرية الملاحة، بل أصبحت تستخدم أدوات القوة الاقتصادية، من الرسوم الجمركية إلى سلاسل التوريد، سلاحًا لإخضاع الحلفاء قبل الخصوم.

وهنا يبرز مفهوم “التصدّع” الذي يستخدمه كارني، لا بوصفه مرحلة انتقالية، بل كحالة قطيعة مع الماضي، حسب فهم كاتب المقال.

ويحلل فرينش ما يسميه “نظرية ترمب”، التي تفترض أن انسحاب الولايات المتحدة من التزاماتها التقليدية سيمنحها حرية أكبر وقوة تفاوضية أعلى، وأن ضعف الحلفاء سيجعلهم أكثر قابلية للابتزاز،

غير أن كارني، في المقابل، يرى أن هذا المنطق يدفع “القوى المتوسطة” إلى خيارين: إما الخضوع وإما المقاومة، وبما أن الخضوع يتناقض مع سيادة الدول وكرامتها، فإن المقاومة تصبح حتمية.

عقيدة كارني

لكن كارني لا يدعو، كما يوضح فرينش، إلى القطيعة الكاملة مع الولايات المتحدة، بل إلى مسارين متوازيين: الأول هو تعزيز القدرات الوطنية، من خلال مضاعفة الإنفاق العسكري وإعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية،

أما الثاني، فهو بناء شبكات جديدة من التعاون والتحالفات، قد تشمل أطرافًا خارج الإطار الأمريكي التقليدي، مثل الصين، وهو ما يثير قلق واشنطن،

وتبلغ رسالة كارني ذروتها بموقفه من غرينلاند، حيث يؤكد دعم كندا الكامل للدانمارك واستعدادها للوفاء بالتزامات المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (ناتو)، حتى لو جاء مصدر التهديد من الولايات المتحدة نفسها.

ويرى فرينش أن التصفيق الحار الذي حظي به هذا الموقف في دافوس، يعكس استعداد دول أخرى للسير في ذات الاتجاه،

ويحذر الكاتب من أن ازدراء الحلفاء، الذي بدأ كدعوة مشروعة لزيادة مساهماتهم الدفاعية، قد تحول إلى سياسة قد تُحدث نتائج عكسية،

فإذا استجابت الدول المتوسطة لنداء كارني، فقد يظهر تحالف اقتصادي وعسكري ضخم يضم الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا، وهو تحالف نووي وصناعي قادر على موازنة القوة الأمريكية.

ترمب يسعى إلى رعايا خاضعين، ولكنه في الواقع، يصنع خصومًا جددًا،

ويعقد فرينش مقارنة لافتة بين حسابات ترمب وسوء تقدير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل غزوه أوكرانيا، حيث استهان الأخير بقدرة الغرب على الرد،

ومثلما أدى الغزو الروسي إلى إيقاظ أوروبا من سباتها، قد تؤدي سياسات ترمب إلى نتائج مماثلة، ويخلص إلى أن ترمب يسعى إلى رعايا خاضعين، لكنه في الواقع، يصنع خصومًا جدداً، وأن الثمن النهائي لهذه المقامرة سيدفعه الأمريكيون قبل غيرهم.