بدأ الأطباء حول العالم يعطون اهتمامًا أكبر للأنظمة الغذائية كجزء محوري من علاج أمراض الكلى المزمنة، بعد أن أظهرت دراسة حديثة نتائج واعدة تشير إلى أن اتباع نظام نباتي منخفض البروتين قد يحسن صحة الكلى والتمثيل الغذائي، دون التأثير السلبي على الحالة التغذوية للمرضى.
وفقًا لتقرير منشور على موقع Medscape UK، فإن الباحثين في جامعة فيدريكو وجدوا أن النظام الغذائي النباتي مع تقليل البروتين قد يؤدي إلى تحسن ملحوظ في مؤشرات وظائف الكلى لدى المرضى المصابين بالقصور الكلوي في المراحل المتوسطة والمتقدمة، مع استقرار مؤشرات التغذية العامة والحفاظ على الوزن العضلي على مدى فترة المتابعة.
خلفية وأهمية البحث
يعتبر مرض القصور الكلوي المزمن من التحديات الصحية المستمرة، حيث يؤدي التدهور التدريجي في وظائف الكلى إلى تراكم السموم والفضلات في الجسم، ولهذا يوصي الأطباء منذ سنوات بتقليل تناول البروتين لتخفيف الضغط على الكليتين، لكن القلق من نقص العناصر الغذائية الضرورية حال دون تطبيق هذه الأنظمة بشكل واسع.
جاءت الدراسة الإيطالية لتعيد تقييم هذا المفهوم، مركزةً على النظام النباتي كخيار متوازن يجمع بين تقليل البروتين وتوفير مكونات غذائية طبيعية غنية بالألياف والفيتامينات والمعادن.
تصميم الدراسة وطرق التنفيذ
استند الباحثون إلى مراجعة بيانات 44 مريضًا تتراوح أعمارهم في منتصف الخمسينيات، جميعهم يعانون من درجات متفاوتة من القصور الكلوي المزمن، تم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين رئيسيتين:
المجموعة الأولى: اتبعت نظامًا غذائيًا نباتيًا منخفض البروتين، مع إدخال كميات محدودة من منتجات الألبان والبيض.
المجموعة الثانية: التزمت بنظام تقليدي منخفض البروتين يعتمد على مصادر غذائية مختلطة بين النبات والحيوان.
تم تحديد الحصة اليومية من البروتين بحيث لا تتجاوز 0.8 غرام لكل كيلوجرام من الوزن المثالي، مع ضمان تزويد الجسم بما يقارب 30 سعرة حرارية لكل كيلوجرام للحفاظ على التوازن الطاقي، كما خضع المرضى لمتابعة غذائية شهرية تضمنت تقييم الالتزام بالنظام وتحليل التغيرات البيوكيميائية في الدم.
النتائج والتحسينات الملحوظة
بعد مرور ستة أشهر من الالتزام بالنظام النباتي منخفض البروتين، لاحظ الفريق البحثي تحسنًا واضحًا في عدة مؤشرات حيوية، أبرزها ارتفاع معدل الترشيح الكبيبي، وهو المقياس الأكبر لتقييم كفاءة الكلى، بجانب انخفاض مستويات الكرياتينين واليوريا وحمض اليوريك في الدم.
كما لوحظ انخفاض في مستويات الدهون الكلية والكوليسترول الضار والفيبرينوجين، بالإضافة إلى تحسين في مؤشرات سكر الدم.
ومن النتائج اللافتة كذلك، زيادة تركيز فيتامين (د) في الدم بشكل ملحوظ، مما يدل على استقرار الحالة التغذوية رغم تقليل البروتين.
وفيما يتعلق بتركيب الجسم، سجلت مجموعة النظام النباتي انخفاضًا ملحوظًا في كتلة الدهون ومحيط الخصر، وهو ما لم يظهر بنفس الكفاءة في المجموعة الأخرى، هذه النتائج عززت الفرضية القائلة بأن النظام النباتي المنخفض البروتين لا يساهم فقط في الحفاظ على وظائف الكلى ولكنه أيضًا يحسن الحالة الأيضية العامة.
تفسير النتائج وأهميتها السريرية
يرى الباحثون أن هذه التحسينات قد تعود إلى احتواء الأطعمة النباتية على مضادات أكسدة طبيعية وألياف تساهم في تنظيم التمثيل الغذائي وتقليل الالتهابات الداخلية، كما أن تقليل تناول البروتين الحيواني يخفف من تراكم نواتج النيتروجين في الدم، مما يقلل الضغط على الكليتين.
من الناحية السريرية، يُعتبر هذا النهج خطوة متقدمة نحو استغلال التغذية العلاجية كأداة فعالة لإبطاء تقدم مرض الكلى المزمن، خاصة لدى المرضى الذين لا يحتاجون إلى الغسيل الكلوي بعد.
كما أن الالتزام بنظام غذائي نباتي طويل المدى قد يتطلب دعمًا غذائيًا متخصصًا لضمان حصول المرضى على كفايتهم من الأحماض الأمينية الأساسية وبعض الفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون.
ما الذي يعنيه ذلك للأطباء والممارسين؟
تؤكد هذه النتائج أن الأنظمة النباتية المنخفضة البروتين يمكن أن تكون خيارًا آمنًا وفعّالًا للبالغين المصابين بمرض الكلى المزمن، شريطة أن تُدار تحت إشراف أخصائي تغذية وطبيب كلى لضمان تحقيق التوازن الغذائي الدقيق.
وقد تسهم هذه الاستراتيجية في تأخير الحاجة إلى الغسيل الكلوي وتحسين جودة حياة المرضى عبر تقليل الأعراض المرتبطة بالاحتباس السمومي في الجسم.
الدراسة، التي قادتها الباحثة ماريا أميكون، نُشرت في مجلة BMC Nephrology لتقدم دليلًا علميًا جديدًا عن دور التغذية العلاجية في دعم صحة الكلى وإدارة الأمراض المزمنة بطريقة أكثر استدامة وإنسانية.
