بعد سنوات عديدة من البحث العلمي، استطاع الباحثون أخيرًا اكتشاف دليل قوي يشير إلى وجود نشاط كهربائي داخل العواصف الترابية الضخمة على كوكب المريخ،
حيث كشفت وكالة الطيران والفضاء الأمريكية عن أول رصد غير مباشر لظهور البرق داخل هذه العواصف، مما يفتح آفاق جديدة لفهم طبيعة الغلاف الجوي للكوكب الأحمر والكيمياء المعقدة التي تحدث فيه.
لغز العواصف الترابية على المريخ
لطالما شكلت العواصف الترابية المريخية موضوعًا يشد انتباه العلماء، إذ يمكن أن تمتد هذه العواصف لتغطي الكوكب برمته، حاملةً ملايين الأطنان من الرمال والغبار عبر غلافه الجوي الرقيق، بينما في كوكب الأرض، تؤدي ظروف مشابهة، مثل السحب البركانية أو العواصف الرملية العاتية، إلى توليد تفريغات كهربائية مرئية، لكن المريخ ظل لفترة طويلة يبدو كعالم هادئ كهربائيًا، إذ لم تتمكن البعثات الفضائية السابقة من العثور على دليل مباشر لوجود البرق.
كيف تمكن العلماء من رصد الإشارة؟
جرت محاولات عديدة في السابق لرصد البرق على المريخ باستخدام الكاميرات المدارية وأجهزة الاستشعار على المركبات الجوالة، بحثًا عن ومضات ضوئية أو إشعاعات ناتجة عن التفريغات الكهربائية، ولكن النتائج ظلت غير حاسمة، إلا أنه في أواخر عام 2024، حصل تحول مهم عندما بدأت أداة علمية متخصصة على متن مركبة مافين المدارية بتسجيل موجات كهرومغناطيسية منخفضة التردد، وهي إشارات غير مرئية يرتبط ظهورها عادةً بحدوث ضربات برق.
تحليل الإشارات الغامضة
قادت دائرة بحثية تحت إشراف الباحث ديفيد أندروز في المعهد السويدي لفيزياء الفضاء تحليل البيانات المرسلة من المركبة المدارية، وكان هدفهم البحث عن ظاهرة معروفة علميًا باسم “صفير البرق”، وهي موجات راديوية منخفضة التردد تنتج عن ضربات البرق وتنتقل عبر خطوط المجال المغناطيسي إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي، وقد تمكن الفريق من رصد إشارة واضحة تطابق النماذج الرياضية لهذه الظاهرة، حيث لاحظوا تذبذب تردد الإشارة من أربعة آلاف هرتز إلى خمسمائة هرتز خلال جزء من الثانية، مما يؤكد أن مصدر الإشارة يعود لتفريغات كهربائية داخل العواصف الترابية، وليس إلى نشاط شمسي.
طبيعة البرق المريخي
يختلف البرق على المريخ عن نظيره على الأرض، فبدلاً من الومضات القوية في السحب الرعدية، يُعتقد أن التفريغات المريخية أضعف بكثير، وتحدث نتيجة احتكاك جزيئات الغبار ببعضها داخل العواصف الترابية، ونظرًا لأن الغلاف الجوي للمريخ أقل كثافة من الغلاف الجوي للأرض، فإن الشرارة الكهربائية تحتاج إلى طاقة أقل لتتشكل، لكنها تكون أضعف أيضًا، وهو السبب وراء صعوبة رصدها لعقود طويلة.
تأثير البرق في كيمياء المريخ
لا يقتصر تأثير هذه التفريغات على الظواهر الجوية فحسب، بل يمتد إلى كيمياء الغلاف الجوي للكوكب، إذ يمكن للطاقة الكهربائية الناتجة عن البرق أن تكسر جزيئات مثل ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء، لتنتج مركبات كيميائية جديدة، ومن بين تلك المركبات مادة البركلورات التي تم اكتشافها مسبقًا في تربة المريخ، وتشير الدراسات إلى أن مثل هذه التفاعلات الكيميائية لا يمكن أن تحدث نتيجة ضوء الشمس وحده، مما يعني أن النشاط الكهربائي قد يلعب دورًا مهمًا في تشكيل البيئة الكيميائية للكوكب.
سنوات من جمع البيانات والتحقق
استغرق التوصل إلى هذا الاكتشاف سنوات من التحليل الدقيق للبيانات، حيث عمل الباحثون على تنقية الإشارات المسجلة من أي تداخلات كهرومغناطيسية قد تنتج عن الأجهزة الموجودة على متن المركبة المدارية، كما تم فحص آلاف المدارات ومقارنتها للتأكد من أن الإشارة طبيعية وليست ناتجة عن مصادر صناعية.
الخطوة القادمة في دراسة الكوكب الأحمر
يخطط العلماء الآن للبحث عن مجموعات متكررة من هذه التفريغات وربطها بمناطق محددة من المريخ تتميز بنشاط مغناطيسي مرتفع، مما سيساعد على تحديد المناطق الأكثر احتمالية لحدوث البرق داخل العواصف الترابية، ويعتبر هذا الاكتشاف نقطة انطلاق نحو فهم أفضل لبيئة المريخ الجوية والكيميائية، كما قد يوفر أدلة جديدة حول كيفية تطور الكوكب وإمكانية دعم تفاعلات كيميائية قد تكون ذات صلة بالحياة في المستقبل.
