
Published On 22/1/202622/1/2026
|
آخر تحديث: 08:59 (توقيت مكة)آخر تحديث: 08:59 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
على مدى عقود، ظل الدولار الأميركي العمود الفقري للنظام المالي العالمي، حيث يُستخدم في تسعير السلع الاستراتيجية، بما في ذلك النفط، وفي تسوية غالبية المعاملات التجارية والمالية الدولية، هذا بالإضافة إلى كونه العملة الرئيسية للاحتياطيات النقدية لدى البنوك المركزية.
هذا الدور المهم جعل الدولار جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية لمئات الملايين حول العالم، بدءًا من السفر والتجارة الإلكترونية، وصولاً إلى التحويلات المالية عبر الحدود.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
ومع ذلك، يبدو أن هذا الواقع بدأ في التصدع خلال السنوات الأخيرة، بسبب تصاعد التوترات الجيوسياسية، وامتداد العقوبات المالية المفروضة على دول كبرى مثل روسيا، وإقليمية مثل إيران، بالإضافة إلى الحروب التجارية التي أعادت سياسات الحماية والرسوم الجمركية إلى السطح.
وقد دفعت هذه المتغيرات قوى اقتصادية كبرى، مثل الصين والاتحاد الأوروبي ودول مجموعة بريكس، إلى البحث عن بدائل تقلل من الاعتماد على الدولار.
اليوان الرقمي.. رهان الصين الاستراتيجي
بدأ بنك الشعب الصيني منذ عام 2020 باختبار اليوان الرقمي في عدد من المدن، ومن ثم توسع تدريجياً ليشمل معظم أنحاء البلاد، وتسعى بكين من خلال هذه العملة الرقمية إلى تعزيز سيادتها النقدية، وتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية.
كما أكدت الصين التزامها بدعم نظام نقدي عالمي متعدد الأقطاب، في وقت يتزايد فيه الإقبال على اليوان، مشفوعًا بفقدان الثقة في الأصول الأميركية نتيجة السياسات التجارية والجمركية غير المستقرة، ما دفع المستثمرين للانتقال بعيدًا عن الدولار الأميركي صوب العملات الآسيوية واليورو، وفقاً لوكالة رويترز.
وفي هذا الإطار، أعلن بنك الشعب الصيني عن إطار مطور لإدارة اليوان الرقمي سيدخل حيز التنفيذ مطلع عام 2026، بهدف رفع كفاءة الحوكمة، وتوسيع الاستخدام، وتحفيز الإقبال عبر مزايا إضافية، مثل دفع فوائد على الأرصدة الرقمية.
وبحسب بيانات رسمية، تجاوزت معاملات اليوان الرقمي 16.7 تريليون يوان (2.4 تريليون دولار) حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، مما يعكس تسارعًا ملحوظًا في تبني العملة داخليًا، ويُعتبر تمهيدًا لتوسيع استخدامها خارج الحدود.
أوراق نقدية من فئة 100 يوان بجانب النسخة الرقمية من اليوان الصيني (شترستوك)
هل يكسر اليوان الرقمي هيمنة “سويفت”؟
لطالما هيمن نظام سويفت على التحويلات العابرة للحدود، مستندًا إلى الدولار، حيث تستغرق التسويات عادة بين 3 و5 أيام، وتمر عبر عدة بنوك وسيطة، مما يجلب تكاليف مرتفعة وتعقيدات إجرائية.
لكن الصين طورت نظامًا رقميًا للتسوية العابرة للحدود باستخدام اليوان الرقمي، بدعم من تقنيات البلوك تشين، مما يتيح تسويات فورية خلال ثوانٍ، وبتكلفة أقل بنسبة 98%، وقد تجسد هذا التحول في أول تسوية ناجحة بين هونغ كونغ وأبوظبي دون المرور بسويفت أو بنوك وسيطة.
كما شهد عام 2025 إطلاق منصة “إم بريدج” (MBridge)، وهي مشروع مشترك تقوده الصين بالتعاون مع بنك التسويات الدولية، وعدد من البنوك المركزية، بينها الإمارات وتايلاند وهونغ كونغ.
وقد صُممت هذه المنصة لدعم المدفوعات العابرة للحدود، وخفض تكاليف المعاملات، وتوفير التسوية الفورية، وتعزيز النظام المالي، ومن المتوقع أن تشهد المنصة نمواً أكبر في عام 2026 مع انضمام المزيد من البنوك المركزية لهذه المبادرة.
وحتى الآن، أنجزت المنصة آلاف المعاملات العابرة للحدود، بقيمة عشرات المليارات من الدولارات، وكان لليوان الرقمي النصيب الأكبر منها.
ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على الجانب التقني، بل تمتد إلى بعدها الجيوسياسي، إذ تتيح لبعض الدول إجراء تعاملاتها خارج نطاق الرقابة والعقوبات الأميركية.
اليورو الرقمي.. دفاع أوروبا عن سيادتها النقدية
في أوروبا، يتصاعد القلق من تنامي هيمنة الشركات الأميركية على قطاع المدفوعات الرقمية، مما دفع عشرات الخبراء إلى مطالبة الاتحاد الأوروبي بدعم إطلاق اليورو الرقمي، حيث يحذر هؤلاء من أن الاعتماد المفرط على منصات خارجية يهدد بفقدان السيطرة على عنصر أساسي من السيادة الاقتصادية.
وتدعم المفوضية الأوروبية خطة البنك المركزي الأوروبي لإطلاق العملة الرقمية بحلول عام 2029، معتبرة أن اليورو الرقمي ليس مجرد خيار تقني، بل “خط الدفاع الوحيد” لحماية الاستقرار المالي الأوروبي في عصر الشفافية الرقمية، وضمان استقلال القرار النقدي في مواجهة النفوذ الأميركي.
بريكس والعملات المحلية.. كسر الاحتكار
تضم مجموعة بريكس 11 دولة عضواً، تمثل نحو نصف سكان العالم وقرابة 40% من الناتج الاقتصادي العالمي، وتمتلك هذه الدول حصة كبيرة من موارد الطاقة والمعادن الاستراتيجية، مما يمنحها وزناً متزايداً في الاقتصاد العالمي.
وتسعى دول بريكس إلى توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة البينية، وتقليل الاعتماد على الدولار، مستفيدة من مؤسساتها المالية، مثل بنك التنمية الجديد، الذي يوفر تمويلاً بالعملات الوطنية، وفقًا لدراسة نشرتها “مجلة بريكس للاقتصاد”.
وتُعد الصين المحرك الرئيسي لهذا التوجه، في ضوء ثقلها الاقتصادي، واستثماراتها الضخمة، وتأثيرها الواسع في أسواق الدول الأعضاء.
إلى أين يتجه النظام المالي العالمي؟
رغم تلك التحولات، لا يبدو أن هيمنة الدولار ستنتهي قريباً، لكنه يدخل مرحلة اختبار غير مسبوقة، فمحاولات الصين عبر اليوان الرقمي، وتوجه بريكس نحو العملات المحلية، ومساعي أوروبا لإطلاق اليورو الرقمي، جميعها مؤشرات على سعي متزايد لإعادة التوازن للنظام النقدي الدولي.
بينما لا تمثل هذه المبادرات بديلاً كاملاً للدولار في الوقت الراهن، فإنها ترسم ملامح نظام مالي عالمي أكثر تعددية، تتوزع فيه القوة النقدية تدريجياً، مما قد يغير قواعد التجارة والتمويل في العقود المقبلة.




