«تساؤلات حول أسباب تخزين الغذاء العالمي في الوقت الحالي»

«تساؤلات حول أسباب تخزين الغذاء العالمي في الوقت الحالي»

قبيل الحرب العالمية الأولى، قامت الدول بتكديس مخزونات القمح، بينما كانت التوترات السياسية ترتفع بهدوء، دون أن تستدعي ذلك إنذارًا، واليوم، عاد مشهد تراكم المخزونات ليظهر مرة أخرى، فهل يعكس ذلك استعدادًا مبكرًا لعالم يخضع للتغيير؟ أم هو مجرد احتياط في زمن تتزايد فيه الشكوك؟

ذاكرة الجوع

– إن فكرة تخزين الغذاء ليست جديدة، بل تعود لقرون مضت، عندما واجهت دول شمال أوروبا مجاعات قاسية بسبب المناخ والحروب، ففي بدايات القرن الثامن عشر، دفعت المجاعات والحروب الإقليمية فنلندا إلى إنشاء مخزون استراتيجي من الحبوب.

نظام عالمي قديم

– لكن بعد انتهاء الحرب الباردة، اتجهت العديد من الدول إلى تفكيك مخزوناتها الغذائية تدريجياً، مع تنامي الاعتماد على الأسواق المفتوحة وسلاسل الإمداد العابرة للحدود، إيماناً منها بأن التجارة الدولية قادرة على توفير الغذاء بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.

العودة من بعيد

– بعد عقود من الاعتماد شبه الكامل على التجارة العالمية، تعود الحكومات اليوم إلى سياسة التخزين كخيار استراتيجي، مما يعكس تآكل الثقة في سلاسل الإمداد العالمية، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.

كم تبلغ المخزونات؟

– وفقًا لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، من المتوقع أن ترتفع مخزونات القمح والأرز إلى مستويات قياسية بنهاية موسم 2025/2026، بالإضافة إلى زيادة مخزون الحبوب الخشنة مثل الذرة والشعير بنسبة تقارب 10%.

تقديرات “الفاو” لمخزونات الحبوب العالمية بنهاية موسم 2025/2026

الحبوب

إجمالي المخزونات

(مليون طن)

نسبة النمو

(%)

القمح

328.8

+ 3.6

الأرز

215.4

+ 2.2

الحبوب الخشنة

372.1

+ 9.7

السكر

126.3

+ 4.8

المخاوف تتزايد

– في أواخر 2024، وزعت الحكومة السويدية خمسة ملايين منشور على المواطنين تتضمن تعليمات حول كيفية تخزين المواد الغذائية وإيجاد مأوى في حال نشوب حرب، مما يعكس مستوى متزايدًا من الجاهزية في حالات الطوارئ.

لماذا التخزين؟

– في بعض الدول، يتم استخدام الاحتياطيات لتحقيق استقرار الأسعار، كما أصبح التغير المناخي دافعًا لتسريع بناء المخزونات، حيث أصبحت موجات الجفاف والفيضانات والحر الشديد تضرب مناطق إنتاج رئيسية في جميع أنحاء العالم.

الإجراءات الحكومية

– في شمال أوروبا، تتضح سياسة العودة إلى التخزين، خاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، فيما تسعى الدول المستوردة للحبوب إلى زيادة مخزونها الاستراتيجي تجنبًا لتقلبات الأسعار.

إجراءات بعض الدول لتعزيز مخزوناتها

الدولة

الإجراءات

النرويج

– بدأت النرويج في إعادة بناء مخزونات الحبوب الطارئة للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الباردة.
– تعاقدت الحكومة مع شركات خاصة في عامي 2024 و2025 لتخزين ما يقارب 30 ألف طن من القمح.

السويد

– في موازنتها لعام 2026، خصصت ستوكهولم 575 مليون كرونة سويدية (63 مليون دولار) لإعادة بناء مخزونات الحبوب.
– تُعتبر هذه السياسة تحولًا كبيرًا للبلاد، حيث فكك مخزونها الذي جُمِع خلال الحرب الباردة في عام 2001، وها هي تعود مرة أخرى لزيادته.

ألمانيا

– صرّح وزير الزراعة الألماني “الويس راينر” بأن برلين تُراجع مخزونها الغذائي القائم منذ زمن طويل.
– تدرس الحكومة إضافة المواد الغذائية المعلبة إلى مخزونها الاستراتيجي، حيث تنفق بالفعل 25 مليون يورو سنويًا على مخزون غذائي يقارب 100 ألف طن.

بنغلاديش

– شكّلت الحكومة فريق عمل أوصى بتوسيع نطاق الاحتياطيات الطارئة لتشمل الأسمدة والزيوت النباتية.
– زادت الحكومة مخصصات الاحتياطيات الاستراتيجية في موازنة 2025-2026.

البرازيل

– بدأ الرئيس البرازيلي “لولا دا سيلفا”، فور توليه السلطة عام 2023، في إعادة بناء مخزونات الغذاء التي تم تفكيكها في عهده السابق.
– أنفقت الحكومة حوالي 100 مليون دولار على التخزين في عام 2025، حيث اشترت بشكل رئيسي الذرة، واستأنفت شراء الأرز بعد فيضانات 2024.

الصين

– رفعت بكين العام الماضي مخصصاتها لتخزين الحبوب والزيوت النباتية والسـلع الزراعية الأخرى بنحو 6.1% إلى ما يقارب 132 مليار يوان (18 مليار دولار) في 2025.
– جاءت هذه الزيادة بالتزامن مع تأكيد رسمي متكرر على الاكتفاء الذاتي من الحبوب، في سعي بكين لحماية نفسها من الصدمات الخارجية وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية.

ما التكلفة؟

– رغم أهمية سياسة تخزين الغذاء في الوقت الحالي، إلا أنها ليست بلا ثمن، فتخزين الحبوب يكلف ماليًا ولوجستيًا، ويواجه مخاطر التلف أو انخفاض الجودة، كما يحذر اقتصاديون من أن تخزين كميات ضخمة لدى عدة دول قد يضغط على الإمدادات العالمية ويرفع الأسعار.

أين الخلل؟

– المفارقة أن العالم ينتج ما يكفي من الغذاء لتلبية احتياجات سكانه، لكن الخلل يكمن في التوزيع وتدفقات التجارة، حيث تتجاوز مستويات الإنتاج الاستهلاك في بعض السلع الغذائية، لكن مخاوف الدول من السياسات الحمائية وتصاعد التوترات دفعتها لتعزيز مخزوناتها.

أزمة ثقة

– في النهاية، لا يعكس سباق الدول نحو تخزين الغذاء نقصًا عالميًا بقدر ما يكشف عن أزمة ثقة في نظام التجارة الدولية، ومع تزامن هذه الأزمة بصدمات جيوسياسية ومناخية، لجأت الحكومات إلى إعادة تعريف الأمن الغذائي باعتباره مسألة سيادية لا يمكن تركها للسوق.

المصادر: أرقام- الفاو – فاينانشال تايمز – دراسة “WHEAT AND WAR, 1914-18 AND NOW”