الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات
تظهر الأدلة العلمية المتزايدة حقيقة صادمة، وهي أن إساءة معاملة الأطفال لا تؤذي النفس فقط، بل تترك آثاراً بيولوجية دائمة على الجينات وبنية الدماغ، مما يُزيد بشكل كبير خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية على مدار الحياة.
الصدمات المبكرة تُنقش بيولوجياً
أظهرت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلات نفسية مرموقة أقوى الأدلة الجينية واللاجينية حتى الآن على أن الصدمات المبكرة في الحياة تُخزّن بيولوجياً في الجسم، وتؤثر في تطور الدماغ وتنظيم الجينات والصحة النفسية على المدى الطويل.
تُمثّل هذه النتائج نقطة تحوّل في فهم العلم لمشكلة إساءة معاملة الأطفال، إذ لم تعد مجرد مسألة اجتماعية أو نفسية، بل أصبحت عاملاً بيولوجياً له تداعيات جينية قابلة للقياس.
دليل جيني على خطر يمتد مدى الحياة
في دراسة رائدة نُشرت في المجلة البريطانية للطب النفسي «The British Journal of Psychiatry» في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، قاد الباحثون برئاسة برايان هون ين تشونغ من قسم طب الأطفال والمراهقين بكلية الطب السريري في جامعة هونغ كونغ الصينية، بتحليل بيانات جينية ونفسية لأكثر من 500 ألف شخص، بالإضافة إلى بيانات تتعلق بإساءة معاملة الطفولة لأكثر من 140 ألف حالة، ومن خلال استخدام أساليب جينومية متقدمة، أكد الفريق وجود علاقة سببية بين إساءة معاملة الأطفال واضطرابات نفسية عصبية متعددة.
كانت النتائج مذهلة، حيث أظهر الأفراد الذين تعرضوا للإيذاء أو الإهمال في مرحلة الطفولة خطرًا أكبر بـ5 أضعاف تقريبًا للإصابة بالفصام، وزيادة تصل إلى 9 أضعاف في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، بالإضافة إلى ضعف خطر الإصابة باضطراب الاكتئاب الشديد في مراحل لاحقة من حياتهم.
التأثير على جينات ترتبط بالأمراض العقلية
بيولوجيًا، أظهرت الدراسة أن إساءة معاملة الأطفال تُحدث آثارًا جينية مستمرة، خصوصًا من خلال التغيرات في «مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)»، وهي تعديلات كيميائية تُغيّر طريقة عمل الجينات دون تغيير الشيفرة الوراثية نفسها.
من بين الآلاف من هذه التغيرات، حدد الباحثون 10 مناطق جينومية رئيسية بالقرب من 9 جينات مرتبطة بالأمراض العقلية، حيث يُشار إلى أن العديد من هذه الجينات لها دور في أمراض تنكسية عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون، مما يشير إلى وجود مسارات بيولوجية مشتركة بين الصدمات المبكرة والأمراض النفسية والتدهور المعرفي لاحقًا في العمر.
تساعد هذه النتائج في تفسير مدى استمرار آثار الإساءة في الطفولة لعقود طويلة حتى بعد زوال الحدث الصادم نفسه.
الصدمة المكتوبة في الدماغ
تدعم هذه النتائج دراسة ثانية من جامعة فوكوي في اليابان نُشرت في مجلة «الطب النفسي الجزيئي (Molecular Psychiatry)» في 16 سبتمبر (أيلول) 2025، حيث ركزت على الندوب البيولوجية المباشرة التي تتركها إساءة معاملة الأطفال على الحمض النووي وبنية الدماغ معًا.
وقد قاد الدراسة البروفسور أكيمي تومودا، والأستاذ المساعد شوتا نيشيطاني من «مركز أبحاث النمو العقلي للطفل» في الجامعة، حيث استخدم الفريق نهجًا شاملاً لفحص التغيّرات اللاجينية عبر مجموعات متعددة شملت أطفالًا صغارًا ومراهقين خضعوا لتدخلات حماية، بالإضافة إلى حالات تشريح قضائي، وعلى عكس الدراسات السابقة التي ركّزت على جينات معينة، مسحت هذه الدراسة كامل «الإبيجينوم» للكشف عن بصمات جزيئية جديدة للصدمة.
تمثل «الإبيجينوم» مجموعة التغيُّرات الكيميائية التي تؤثر على الحمض النووي (DNA) والبروتينات، مما يؤثر في الوقت والمكان وطريقة التعبير عن الحمض النووي، وقد تنتقل هذه التغييرات وراثياً عبر الأجيال.
حدد الباحثون 4 مواقع لمثيلة الحمض النووي ارتبطت بشكل ثابت بإساءة معاملة الطفولة، وأهمها «FOXP1»، وهو جين يُعتبر مفتاحًا رئيسيًا لتنظيم تطور الدماغ.
ارتبطت زيادة مثيلة الجين «FOXP1» ارتباطًا مباشرًا بتغيّرات قابلة للقياس في حجم المادة الرمادية في مناطق دماغية رئيسية، حيث تُعتبر هذه المناطق حيوية للتنظيم العاطفي والذاكرة واتخاذ القرارات والإدراك الاجتماعي، وهي وظائف غالبًا ما تتأثر لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ من الصدمات النفسية في الطفولة المبكرة.
تقدّم الدراسة دليلًا بيولوجيًا قويًا على أن إساءة معاملة الأطفال تعيد تشكيل الدماغ النامي نفسه، من خلال الربط المباشر بين التغيّرات اللاجينية وبنية الدماغ.
الكشف المبكر والوقاية
الأهم من ذلك، أن الدراستين لا تقتصران على التشخيص، بل تفتحان الباب أمام حلول عملية، حيث حددت دراسة هونغ كونغ 3 عوامل رئيسية قابلة للتعديل تشكل العلاقة بين سوء معاملة الأطفال والأمراض العقلية في المستقبل، وتشمل هذه العوامل السلوكيات المرتبطة بالإدمان مثل التدخين وتعاطي المخدرات، والسمات المعرفية مثل الوظائف التنفيذية والذكاء، بالإضافة إلى العوامل الاجتماعية والاقتصادية، وخاصة التحصيل العلمي، حيث يمكن أن تقلل التدخلات الموجهة في هذه المجالات من الأضرار طويلة الأمد بشكل ملحوظ.
في المقابل، طور فريق جامعة فوكوي مؤشر خطر للمثيلة يعتمد على المواقع الأربعة المرتبطة بالصدمة، وقد نجح هذا المؤشر في التمييز بين الأفراد الذين لديهم تاريخ من الإساءة وأولئك الذين لا يحملون ذلك، مما يفتح المجال لأدوات فحص موضوعية تساعد على التعرف المبكر إلى الأطفال المعرَّضين للخطر قبل ظهور الاضطرابات النفسية.
يرى الخبراء أن هذه الاكتشافات تمثل تحولاً جذريًا؛ إذ لم تعد الجينوميات واللاجينوميات مقصورة على الأمراض النادرة، بل أصبحت أدوات أساسية للتعامل مع تحديات الصحة العامة مثل إساءة معاملة الأطفال.
ضرورة بيولوجية لحماية الطفولة
تحمل الدراستان رسالة واضحة مفادها أن إساءة معاملة الأطفال تترك بصمات بيولوجية عميقة يمكن أن تشكل الصحة النفسية طوال الحياة، ورغم أن بعض التغييرات اللاجينية قد يصعب عكسها، فإن البحث يؤكد حقيقة قوية، وهي أن الوقاية هي التدخل الأكثر فعالية، من خلال فهم كيفية كتابة الصدمة المبكرة في جيناتنا وأدمغتنا، يمنحنا العلم إلحاحًا أكبر وأدوات أفضل لحماية الأطفال والتدخل المبكر، وكسر حلقة الإساءة التي قد تمتد آثارها عبر الأجيال.
