هل سمعتم عن كرواسون الشاورما؟ منذ عدة سنوات، أثارت هذه الفكرة فضول سفيان قطب، أثناء تخطيطه لإطلاق مشروع يختص ببيع الكرواسون والحلويات، في شارع الحمراء البيروتي، برفقة عائلته، بعد الأزمة المالية في عام 2019، توحدت جهود سفيان مع والد زوجته أحمد حلاب وشقيقها محمد حلاب، لتوظيف مهاراتهم في الطهي، بحثًا عن فكرة تجارية مبتكرة ناجحة.
ابتكار كرواسون الشاورما
قرر سفيان حينها تجربة كـرواسون الشاورما، وهو منتج جديد يكتسب شعبية في السوق، لكنه صرح قائلاً: “لم تكن الشطيرة سيئة، لكن العجينة لم تكن بالمستوى المطلوب، أردنا مشروعًا مشابهًا برؤية جديدة: عجينة جيدة وبسعر معقول”، بدلاً من استنساخ فكرة كرواسون الشاورما، ابتكرت المخبز الجديد تركيبة جديدة: خبز الكرواسون محشي بنكهات متنوعة، تتراوح بين الكنافة والبيتزا والدجاج بالأفوكادو والستيك، وخلطة اللحم بعجين، وبعد دورات تدريبية واختبارات عديدة، تمكن الفريق من الوصول إلى الوصفة المثالية، واليوم، أصبح لمطعم “الحلاب” – الذي لا علاقة له بعلامة الحلويات المعروفة – ثلاثة فروع إضافية، وقائمة تضم نكهات ملحية وحلوة، انتشرت التجربة بفضل وسائل التواصل الاجتماعي وزيارات صانعي المحتوى.
تحول الكرواسون إلى طبق رئيسي
يحكي سفيان عن زبون فرنسي كان يشتري كرواسون الزبدة أو الشوكولا كل يوم أحد، قبل أن يضيف نكهة البيتزا إلى طلبه الأسبوعي، يرى سفيان أن المطبخ العالمي يميل بشكل متزايد إلى “الفيوجن”، مما يعني دمج التقاليد الغذائية، مع الحفاظ على هوية المنتج الأصلية، وفي حالة الكرواسون، الذي يعد من أشهر ما تقدمه المطبخ الفرنسي، تفاعلت هذه المخبوزات مع ثقافات مختلفة على مر الزمن.
كرواسون بلمسات محلية
في العديد من البلدان، أصبح الكرواسون محشيًا بالزعتر والخضار، بالإضافة إلى الحشوات التقليدية، في فرنسا، كان الكرواسون معروفًا كقطعة من العجين المورق بالزبدة، قبل أن تظهر تنويعات جديدة بحشوات مثل الشوكولا واللوز، أما في لبنان، فقد تميز الكرواسون بالزوائد المحلية كالجينا والزعتر، إلى جانب النسخة الفرنسية التقليدية بالزبدة أو الشوكولا.
التجربة اللبنانية وتأثيرها
مع مرور الزمن، سعى اللبنانيون، مثلهم مثل شعوب أخرى، إلى الابتكار في تناول الكرواسون، مما أدى لظهور أشكال جديدة ونكهات مختلفة، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشارها وترويجها، وخلال السنوات الماضية، ظهرت ابتكارات تتراوح من كرواسون الكشك، إلى الكنافة، وصولاً إلى الشاورما وقطع اللحم، ليصبح الكرواسون فضاءً مفتوحًا للتجريب، مما يعكس التغيرات في الذائقة الغذائية.
مكانة الكرواسون كوجبة صباحية
رغم احتفاظه بمكانته كوجبة أساسية صباحية في فرنسا، بحسب الطاهية الفرنسية المتخصصة نينا ميتايي، لم يعد الكرواسون يُقدم بالضرورة كوجبة خفيفة في دول أخرى، ونتيجة لذلك، عبرت بي بي سي على الشيف نينا عن نماذج من قوائم الكرواسون المبتكرة في لبنان، وكانت ردود فعلها الأولى هي “الفضول”، مشيرة إلى أن لبنان يحتفظ بمطبخ غني ومبدع.
تحولات الكرواسون وتأثير الثقافة
ترى ميتايي أن تحول الكرواسون إلى وجبة متكاملة يعكس تبادلًا ثقافيًا، موضحة أن ما يحدث ليس صادمًا، بل هو رؤية جديدة للمنتج، وتضيف أن إضافات كالجينة والزعتر في لبنان تعكس الهوية وتحمل ذاكرة جماعية، فيما يكمن المطلب الرئيسي اليوم في تجسيد الكرواسون كطبق رئيسي. “هذا ليس جيدًا ولا سيئًا، بل هو سرد آخر يتم من خلال العجينة المورقة”.
تاريخ الكرواسون
تعود كلمة كرواسون (Croissant) بالفرنسية إلى “الهلال” أو “المتزايد”، وهي تشير إلى شكل القمر غير المكتمل، وقد ذُكرت لأول مرة في القواميس الفرنسية عام 1863 كنوع من الخبز أو الحلوى الصغيرة على شكل هلال، وطبقًا لاتحاد شركات المخابز في فرنسا، يعتبر الكرواسون نوعًا من المعجنات المصنوعة من العجين المورق والمخمّر، والذي يميل إلى الحلويات بسبب مكوناته، وفي القرن التاسع عشر، اكتسب الكرواسون شهرته في فرنسا عبر المخبز النمساوي “المخبز الفييني”، الذي تم تأسيسه في باريس، مما أسهم في إدخال هذا النوع من المعجنات إلى الثقافة الفرنسية.
تقنيات تحضير الكرواسون
يعتبر الكرواسون رمزا للفطور الفرنسي، على الرغم من بساطته الظاهرة، إلا أنه يتطلب دقة في تفاصيله، فهو يعتمد على مكونات محددة، مثل الطحين والزبدة والخميرة، مما يجعل منه تجربة تستحق الانتظار، وفقًا للخبيرة نينا، فإن الكرواسون يُستهلك كوجبة بها متعة، وتكون بمثابة بداية هادئة لليوم.
بين الابتكار والتراث
تشير ميتايي أيضًا إلى ظهور اتجاهات مبهجة في فرنسا، مثل “الكروكي”، التي تمزج الكرواسون بعجينة الكوكيز، كتعبير عن روح العصر وثقافة المشاركة التي شجعتها وسائل التواصل الاجتماعي، مع ذلك، تبقى هذه الابتكارات ضمن نطاق التنويع حول المنتج الأساسي، في حين أن جوهر الكرواسون ووصفته وهويته تظل محترمة بشكل عميق، وتؤكد أن التحول الحقيقي لا يكمن في تغيير طبيعته، بل في جعله أكثر دقة ووضوحًا وصدقًا، فإن الكرواسون المالح ليس مفهومًا غريبًا عن المطبخ الفرنسي، إذ يتم تحضيره محشوًا بشرائح اللحم أو بصوص البشاميل، مما يعبر عن مرونة هذا النوع من المخبوزات وقدرته على التكيف.
برأيها، فإن قطاع المخبوزات والحلويات يعتبر فضاءً للإبداع والحوار بين الثقافات، فتجاوز الحدود يُعتبر جزءًا لا يتجزأ من تطوير المطبخ، وعندما يتطور الكرواسون ليصبح وجبة متكاملة بحد ذاتها، فإنه يروي قصة مختلفة، ولا يمثل تحديًا للكرواسون التقليدي، بل هو رؤية جديدة يمكن أن تتعايش بانسجام مع النسخة الكلاسيكية.
