منوعات

«الهرم الغذائي الأميركي ومازال الجدل قائمًا بعد شهر من صدوره»

قبل نحو شهر من صدور النسخة الجديدة من الهرم الغذائي الأميركي، لا يزال الجدل حولها مستمراً في الأوساط العلمية والإعلامية، لم يكن القرار مجرد تحديث تقني عادي، بل اعتُبر تحولاً يمس نمط الغذاء ونمط الحياة، خصوصاً في ظل التأثير التاريخي للنموذج الأميركي على السياسات الصحية والمناهج التعليمية في العديد من الدول.

تجنب الأطعمة المصنعة

تشدد الإرشادات الغذائية الجديدة على ضرورة تقليل استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة، والدعوة للاعتماد على مكونات أكثر قرباً إلى شكلها الطبيعي، تشير التوصيات إلى أن هذه المنتجات تشكل جزءاً كبيراً من الاستهلاك اليومي، مثل الوجبات الجاهزة والمجمدة، واللحوم المصنعة مثل النقانق والسلامي، والمخبوزات التجارية، ورقائق البطاطس، والبسكويت، والمشروبات الغازية، بالإضافة إلى حبوب الفطور المحلاة، ويرتبط نمط الاستهلاك القائم على الأغذية المصنعة بارتفاع معدلات السمنة، والسكري، وأمراض القلب، إضافة إلى تأثيرات سلبية على الصحة النفسية، حيث تشير أبحاث منشورة في الدوريات البريطانية الطبية إلى أن الاعتماد المرتفع على الأطعمة فائقة المعالجة يزيد من مخاطر الأمراض المزمنة والوفاة المبكرة، مقارنةً بالأنظمة الغذائية التي تعتمد على أطعمة أقل تصنيعاً.

ترى اختصاصية التغذية رند البديوي أن تأثير هذه الأطعمة لا يقتصر على الوزن فقط، بل يشمل وظائف الجسم الداخلية، موضحةً أن كثافة المواد المضافة تُشكل عبئاً متزايداً على الكبد خلال عمليات التخلص من السموم، وتثقل كاهل الكلى، وتؤثر أيضاً على صحة الجلد وتوزيع الدهون داخل الجسم، خصوصاً حول الأعضاء الحيوية، وتضيف أن الخطر يكمن في التأثير التراكمي الطويل الأمد لهذه الأطعمة، الذي يسبق ظهور النتائج الصحية الواضحة.

وداعاً للخبز والرز

يمثل التحول الحالي قطيعة واضحة مع هرم التسعينيات الغذائي، الذي اعتمد على قاعدة واسعة من الخبز، والرز، والمعكرونة، متوجهاً نحو الخضراوات والفواكه، ثم البروتينات والدهون في القمة، خلال تلك الفترة، كانت مقاربة غذائية تنظر إلى تقليص الدهون وزيادة الحبوب كأفضل مسار للصحة العامة، وقد تبنتها العديد من الدول استناداً إلى الإرشادات الأميركية، التي استمرت طويلاً في السياسات الصحية والتعليمية، وأعادت المراجعات العلمية اللاحقة تقييم تلك الفلسفة، بناءً على دراسات ربطت الإفراط في الكربوهيدرات المكررة وأنماط الغذاء المعتمد على التصنيع بارتفاع معدلات السمنة، واضطرابات التمثيل الغذائي، لذا كانت الأولويات الغذائية الجديدة تعيد ترتيب البروتينات الطبيعية، وإدماج الألبان كاملة الدسم، وإعادة تقييم دور الدهون، مع تقليص مكانة الحبوب في الوجبات اليومية، ولا تركز التوجيهات الجديدة على كميات الاستهلاك بقدر ما تركز على نوعية الغذاء، ومصدره، ومستوى معالجته، ومدى قربه من شكله الطبيعي.

منتجات الألبان

جاء إدراج الحليب كامل الدسم ضمن برامج التغذية المدرسية في الولايات المتحدة ضمن الجدل حول تحديث الهرم الغذائي، بعد سنوات من استبعاده لمصلحة المنتجات قليلة الدسم، وقد أعادت هذه الخطوة فتح نقاش قديم حول جدوى سياسات تقليص الدهون وارتباطها بالأدلة العلمية، وتأثيرها على أنماط الاستهلاك الغذائي، دخل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في نقاش إعادة الحليب كامل الدسم، معتبراًها تصحيحاً لمسار غذائي طويل، معبراً عن موقف سياسي يرى أن التوصيات السابقة لم تعكس بالضرورة أفضل الخيارات الصحية، ولم تُطرح إعادة الحليب كامل الدسم كخيار تقني فحسب، بل كجزء من رؤية أوسع تنتقد الإفراط في التنظيم الغذائي.

عندما تتحول التوصيات إلى سوق

منذ إطلاق الهرم الغذائي الأميركي في التسعينيات، لم يكن النقاش حوله صحياً فحسب، بل تطرق أيضاً إلى دور المصالح الاقتصادية في صياغة الإرشادات الغذائية، فالجهة المسؤولة عن هذه التوصيات هي وزارة الزراعة الأميركية، التي تجمع بين وضع الإرشادات الغذائية ودعم القطاعات الزراعية والغذائية، مما جعل العلاقة بين الصحة والتجارة موضع تدقيق دائم، واستفادت قطاعات إنتاج القمح والذرة بشكل كبير من النسخة التي وضعت الحبوب في قاعدة الهرم الغذائي، وأشار الباحثون الأميركيون في دراسات أكاديمية وتقارير رقابية لاحقة إلى مشاركة جماعات الضغط الزراعية في صياغة تلك الإرشادات، وهو أمر موثق في سجلات جلسات الكونغرس وتقارير لجان مستقلة، ومع انتقال التوصيات لاحقاً إلى تقليص الدهون، ظهرت موجة المنتجات قليلة الدسم، ما فتح أسواقاً جديدة أمام شركات الصناعات الغذائية والألبان، على الرغم من أن عددًا من هذه المنتجات احتوى على نسب مرتفعة من السكر أو الإضافات الصناعية، مما أثار انتقادات علمية تناولتها دوريات طبية أميركية وبريطانية، خصوصاً بعد تزايد معدلات السمنة والأمراض المزمنة، وتشير أبحاث منشورة في الدوريات البريطانية الطبية وتقارير صادرة عن جامعات أميركية إلى أن تأثير الشركات الغذائية لا يتجلى من خلال كتابة الإرشادات مباشرة، بل عبر التمويل البحثي، والمشاركة في لجان استشارية، والنشاط المنظم لجماعات المصالح داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية، ومع تراكم الأدلة التي ربطت الأطعمة فائقة المعالجة بمشكلات صحية متعددة، تزايدت الدعوات العلمية إلى مراجعة النموذج الغذائي السائد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى