بديهياً، لن يعلن أي طرف من الأطراف المشاركة في أي حرب عن خسائره بشكل دقيق، فهناك أمور يفضل الإعلان عنها، وأخرى يحرص على إخفائها.
التطورات التكنولوجية في الرصد
في الماضي، كانت الأطراف المتحاربة تستطيع تحقيق هدف السرية بشكل كبير، لكن لم يعد ذلك ممكناً في عصر الأقمار الصناعية، التي تعتمد على مبادئ الفيزياء لرصد ما يسعى كل طرف لإخفائه، وتمكن هذه الأقمار من رصد تحركات دبابة واحدة بدقة كبيرة حتى من ارتفاع 500 كم.
أنواع الأقمار الصناعية
يميز أستاذ نظم علوم الأرض والاستشعار عن بعد بجامعة تشابمان في كاليفورنيا، الدكتور هشام العسكري، بين نوعين من الأقمار الصناعية، أحدهما عسكري، وهي مخصصة للرصد الآني للأنشطة العسكرية، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتوجيه الضربات الصاروخية، ومراقبة الحدود، ومتابعة التحركات العسكرية، ودعم أنظمة الإنذار المبكر، والآخر أقمار مدنية تفيد في رصد نتائج العمليات العسكرية، والاختلاف بينهما يكمن في طبيعة المهمة، حيث تقدم الأقمار العسكرية معلومات آنية، بينما تعتمد الأقمار المدنية على لحظة التقاط الصورة، مما يجعلها الأنسب لرصد نتائج العمليات العسكرية.
الانعكاس الطيفي
أحد المبادئ الفيزيائية المستخدمة في تشغيل الأقمار الصناعية هو ما يعرف بـ”الانعكاس الطيفي”، حيث تحدث ثلاث عمليات رئيسية عند وصول الضوء الشمسي إلى سطح الأرض، وهي “الانعكاس”، والذي يعني أن جزءًا من الضوء يرتد عن سطح الجسم، و”الامتصاص”، الذي يشير إلى أن جزءًا من الضوء تمتصه المادة ويتحول غالباً إلى حرارة، و”الانتقال”، بمعنى أن جزءًا من الضوء يمر عبر المادة، وترتبط الأقمار الصناعية فقط بالضوء المنعكس، وجميع المواد على الأرض تمتلك “البصمة الطيفية”، مما يمكن الأقمار الصناعية من تمييز ما إذا كانت الصورة تشير إلى مبانٍ، أو مركبات عسكرية، أو طرق، أو حتى نباتات.
يعد القمر الصناعي (وورلد فيو 3) المعروف بإدارته من شركة “ماكسار تكنولوجيز” الأمريكية، من أبرز الأقمار التي تعمل بتقنية الانعكاس الطيفي، حيث يوفر رؤية تفصيلية تصل إلى 31 سنتيمترًا، مما يمكنه من تمييز المركبات والدبابات الفردية، ويستطيع هذا القمر التقاط صور للمركبات إذا توافقت لحظة الالتقاط مع وجودها، وتوجد نظائر عسكرية للمبدأ ذاته، لكنها تقدم متابعة آنية للمواقع.
تظهر دراسة نشرها باحثون من إمبريال كوليدج لندن استخدام القمر (وورلد فيو 3) في رصد حركة المرور في مدينة برشلونة، حيث تمكنوا من متابعة السيارات في شوارع المدينة بدقة عالية في المناطق التي تفتقر إلى مراقبة أرضية تقليدية.
تداخل الموجات الرادارية
من “الانعكاس الطيفي” إلى مبدأ آخر وهو “تداخل الموجات الرادارية”، الذي تستخدمه أقمار تعتمد على موجات الرادار لقياس تغيّرات دقيقة في سطح الأرض قد تصل إلى بضعة مليمترات فقط، وتقوم هذه الأقمار بإرسال موجات رادارية نحو الأرض، حيث تنعكس عن المباني أو الصخور أو التربة وتعود للقمر الصناعي، وعند مرور القمر مرة أخرى فوق المنطقة ذاتها، يلتقط صورة رادارية ثانية، ويتم مقارنة الفرق بين الموجتين لحساب التغيرات الدقيقة في ارتفاع أو حركة الأرض، وما يميز هذه الأقمار أنها تعمل ليلاً ونهاراً وتستطيع اختراق السحب والدخان.
من أمثلة هذه الأقمار القمر “سينتنال 1″، الذي تديره وكالة الفضاء الأوروبية، ويستخدم في الأساس لأعمال بيئية مثل متابعة المتغيرات في الغطاء النباتي، ورصد الزلازل، وتحركات القشرة الأرضية، ويوجد أقران له تعمل بنفس التقنية، لكن بأسلوب آنٍ يتماشى مع الأغراض العسكرية.
يمكن أيضاً توظيف هذا القمر في الجانب العسكري لمراقبة مناطق الصراع، عبر رصد الأضرار في البنية التحتية والتغييرات الناتجة عن التفجيرات، فقد كشفت دراسة من كلية علوم الأرض في جامعة ولاية أوريغون الأمريكية عن حجم الأضرار الناتجة في أوكرانيا منذ بدء الحرب مع روسيا، باستخدام أكثر من 17 ألف صورة رادارية بين مارس 2022 وأكتوبر 2023، وأظهرت النتائج تعرض نحو 264 كيلومتراً مربعاً من المناطق العمرانية لأضرار محتملة في أكثر من 5% من التجمعات السكانية.
إشعاع الجسم الأسود
تعمل نوعية ثالثة من الأقمار بتقنية التصوير بالأشعة تحت الحمراء، باعتمادها على مبدأ “إشعاع الجسم الأسود”، الذي ينصّ على أن أي جسم ساخن يُصدر طاقة كهرومغناطيسية تعتمد فقط على درجة حرارته، بغض النظر عن نوع المادة، حيث تكون هذه الأقمار مزودة بحساسات لرصد الإشعاع الحراري الصادر من الأجسام لا الضوء المرئي، وتقوم الحساسات بتحويل الإشعاع إلى إشارات رقمية، مما يسمح بإنشاء صورة تُظهر الاختلافات الحرارية، كما يمكن كشف تحركات المركبات العسكرية حتى لو كانت مموهة، بفضل بصمتها الحرارية، كما يمكن رصد إطلاق الصواريخ بسهولة.
تشمل هذه الأقمار المدنية مثل (سينتنال 3) التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، و(لاندسات 9) المدارة من قبل وكالة الفضاء ناسا، حيث تُستخدم في رصد الكوارث الطبيعية مثل الحرائق والفيضانات، ومتابعة تأثير التغيرات المناخية.
وسيلة المتابعة المتاحة
على الرغم من عدم وجود دراسات تناولت الاستخدام العملياتي العسكري للأقمار الصناعية، توجد تقارير موثّقة حول استخدام نظائرها المدنية في متابعة تداعيات الحرب، حيث أشارت التقارير إلى أن الأقمار وفرت صوراً دقيقة للأضرار في القواعد العسكرية والمطارات الإيرانية، وتحركات المركبات والصواريخ، مما منح وسائل الإعلام والمراقبين وسيلة فعّالة لمتابعة مجريات الأحداث.
