«اكتشفوا أبها.. حين يصبح الطريق إلى القلب غير مرئي»

«اكتشفوا أبها.. حين يصبح الطريق إلى القلب غير مرئي»

لدى العديد من المدن الرائعة مدخل يشبه المصافحة الأولى، فهذه اللحظة التي تستقبل الزائر تشكل انطباعه الأول، وتخبره بأن الحكاية هنا تبدأ، هذه المدن تمتلك أرواحاً نابضة، ومشاعر دافئة ترحب بأهلها وزوارها، وتجعلهم يشعرون بالراحة بعد عناء السفر وزحام الطريق، فالمدخل ليس مجرد ممر إسفلتي، أو أرصفة غير وديعة، بل هو مرآة لهيبة المدينة وعنوان اهتمام القائمين عليها، ورسالة صامتة تفيد بأنها تعرف قيمتها الحقيقية،

يقول كيفن لينش في كتابه “صورة المدينة”: «المدينة الجيدة هي تلك التي يستطيع الإنسان قراءتها كما لو كانت كتابًا»، وتتواجد كثير من مدن العالم حيث تجد نفسك تقرأ تفاصيلها بسهولة، كما لو كنت تعرفها رغم أنها الجولة الأولى، ولكن هناك مدن شوهتها يد التخبط وغيرت معالمها، فتفقد تلك المدن هويتها وينفر منها زوارها، تاركة انطباعاً سلبياً لكل عابر، ممن تغنوا بالذكريات الماضية.

رسالتي موجهة إلى أمين منطقة عسير، المهندس عبدالله الجالي، حول مأساة مدخل أبها الرئيسي، الذي يستخدمه القادمون من مطار أبها الدولي، ومن خميس مشيط، وسكان أحياء شرق أبها، والموظفون الذين يذهبون يومياً لأعمالهم، والطلاب، وزوار سوق الثلاثاء المعروف، والباحثون عن الفن في قرية المفتاحة التشكيلية ومسرحها الكبير، وغيرهم العديد،

يمر هذا الطريق التجاري المهم بجوار مقرات الشركات الكبرى، مثل شركة الكهرباء وأسمنت الجنوب، بالإضافة إلى مقر الغرفة التجارية، ومن خلاله يصل الرياضيون إلى ملعب مدينة الأمير سلطان الرياضية بالمحالة، فضلاً عن مشروع تجاري كبير هو “ذا بوينت”، الذي سيتم افتتاحه قريبًا، عدا عن العديد من المعالم الأخرى، هذا المدخل هو الذي استقبل الملك سعود رحمه الله ثلاث مرات حين جاء من جهة الشرق، حيث اصطف أبناء المنطقة لتحيته، كما سلك الملك فيصل هذا الطريق عند زيارته لأبها عام 1391 وكذلك الملك خالد والملك فهد، حيث كانوا يشاركون أبناء منطقة عسير البهجة عند قدومهم، وأخيراً، تشرفت أبها بزيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في عام 1440،

ومع مرور الزمن والتطور الذي تشهده المملكة، كنت آمل أن يكون الطريق إلى وسط أبها كذكرياتنا عنها: طريقاً واسعاً يقود مباشرة إلى قلب المدينة، وإلى الأسواق القديمة، وإلى الضباب المتدلي كقصيدة معلقة في الهواء، لكن الواقع يؤلم: ما إن تسلك الطريق حتى تجد نفسك في متاهة من التحويلات، ومنعطفات غير مبررة، وكأن الطريق يخجل من أن يقودك إلى قلب المدينة، فالداخل إليها يشعر وكأنه يُقود إلى أطرافها قبل الدخول، أمام تحويلات تربك الاتجاه، ومسارات تشعرك بأن المدينة تخفي قلبها عن الزوار، والأكثر ألماً أن يُقال إن مشروع مدخل أبها ليس من أولويات أمانة منطقة عسير،

يقول جين جاكوبز: «الشارع الجيد ليس مجرد طريق، بل هو مسرح للحياة اليومية»، وعندما زرت أبها مؤخراً، وقد كنت عاشقاً متيمًا بها، تألمت لما آل إليه حال الطريق المؤدي إلى وسط المدينة، لم تعد أبها تلك المدينة التي كانت تتباهى بجمالها، بل بدت كمدينة قديمة أنهكها الإهمال، لا ترى في كثير من أحيائها سوى أطلال لماضٍ كان أجمل، فهل يُعقل يا معالي الأمين أن تكون أبها في الثمانينات والتسعينات أجمل منها اليوم؟

أهي أبها التي تغنّى بها الشعراء، واحتضنت الفن، وارتبطت يومًا بكونها مصيف المملكة الأول؟ المدينة التي عُرفت بجمالها وضبابها، واحتفت بالثقافة والفن، حيث لم يبق شاعر سعودي أو عربي إلا وتغنى بها؟

في قلب أبها يقع مبنى إمارة منطقة عسير الشامخ، مقر مكتب ممثل الملك حاكم المنطقة، وعلى بعد خطوات يوجد أكبر مساجد المدينة، جامع الملك عبدالعزيز، وإلى جواره متحف عسير الإقليمي، وهذه المعالم تطل على ساحة البحار الشهيرة، التي احتضنت لقاءات الملوك والأمراء منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز مع أبناء المنطقة، وهي ساحة العدل، ومنطلق الفعاليات والاحتفالات، ولهذا الساحة يتواجد مركز الملك فهد الثقافي، وقرية المفتاحة التشكيلية، وسوق الثلاثاء، الذي نأمل أن يكون أحد عوامل الجذب السياحي، وشارع الفن المطل على وادي أبها، الذي يتوق لبدء أعمال مشروع شركة أردارا،

والسؤال مجدداً، يا مهندس عبدالله: “كيف السبيل إلى الوصول – دلني؟”،

ليس من المطلوب مشروع أسطوري، أو معجزة هندسية، بل يكفي أن يكون الطريق إلى وسط أبها (طريق الملك فهد) من تقاطع الحزام الدائري إلى ساحة البحار وما حولها مروراً بتقاطع طريق الأمير سلطان طريقاً يليق بها، يوصل الزوار مباشرة إلى قلب المدينة، ويقول لهم منذ اللحظة الأولى: أهلاً بك في مدينة الجمال،

يا أمين المنطقة، أعد رسم خارطة الطريق، وتعاون مع شركة أردارا، التي وفّرت لك كثيراً من الجهد في مسألة نزع العديد من المواقع، وشق طريق يولّى فيه الأولوية للمتجه نحو المركز، وحسّن من جودة المباني على جانبي الطريق، وإن أردت، استعين بما تم تحديثه في خطة تحسين المشهد الحضري التي أشرف عليها سمو أمير المنطقة، تركي بن طلال، وذلك خلال الاجتماعات التي حضرها، حيث ستجد عملاً كبيراً وجهداً عظيماً متعلقين بالتخطيط واستحضار أفضل النماذج العالمية، وما تبقى هو التنفيذ، وإن رغبت في العودة لما تم طرحه من أفكار حول هذا الموضوع، تفضل بالرجوع إلى محاضر مجلس منطقة عسير عام 1435، ومقترحات اللجنة الاقتصادية والسياحية، وستجد ما يسعدك،

أبها لا تحتاج الكثير لتعود كما كانت، فهي مدينةٌ خلقها الله جميلة، لكن الجمال يحتاج من يرعاه، فالمدن، يا أمين عسير، مثل البشر، قد لا تتكلّم، لكنها حين تُهمَل… تبكي،