كشفت دراسة علمية حديثة، أن أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء قد تعين الأطباء على التعرف مبكراً على مرضى التصلب المتعدد الأكثر عرضة لتفاقم الإعاقة وفقدان حجم الدماغ، مما قد يفتح الباب أمام متابعة أدق للمرض وتدخل علاجي في وقت مبكر. ووجد الباحثون أن التغيرات في أنماط النشاط اليومي لدى المرضى قد تكون مؤشراً مهماً على احتمالات تطور المرض.
التصلب المتعدد وأثره
يُعد التصلب المتعدد من الأمراض العصبية المزمنة التي تؤثر في الجهاز العصبي المركزي، وتسبب تدميراً تدريجياً للغلاف الواقي للأعصاب، مما يؤدي إلى مشكلات في الحركة والتوازن والرؤية والوظائف المعرفية. وتُشير التقديرات العالمية إلى أن ملايين الأشخاص يعيشون مع هذا المرض، بينما يسعى الباحثون في جميع أنحاء العالم إلى تطوير أدوات أكثر دقة لمراقبة تقدمه والتدخل المبكر للحد من تأثيره طويل المدى.
نتائج الدراسة
الدراسة، التي نُشرت في 4 مارس 2026 في دورية Neurology التابعة للأكاديمية الأميركية لعلم الأعصاب، أظهرت أن المرضى الذين شهدت أنماط نشاطهم اليومية تغيرات ملحوظة، كانوا أكثر عرضة لتدهور الإعاقة وفقدان حجم الدماغ مقارنة بمن ظل نشاطهم مستقراً. ومع ذلك، يشير الباحثون إلى أن النتائج لا تثبت أن تغير النشاط يسبب تقدم المرض، بل تشير فقط إلى وجود علاقة بين الأمرين.
أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء
تعتمد أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء على قياس مستويات النشاط البدني المختلفة خلال اليوم، سواء النشاط الخفيف أو المتوسط أو الشديد، كما ترصد الوقت الذي يقضيه الشخص جالساً أو غير نشط، بالإضافة إلى متابعة الإيقاع اليومي للجسم أو ما يعرف بدورة النوم والاستيقاظ.
صرحت كاثرين فيتزجيرالد، الباحثة في جامعة جونز هوبكنز، أن “التعرف المبكر على المرضى المعرضين لتطور المرض يعد ضرورياً للحد من الإعاقة على المدى الطويل، لكن الاختبارات الحالية المستخدمة لتقييم إعاقة التصلب المتعدد ليست مصممة لاكتشاف التغيرات الصغيرة”، مشيرة إلى أن “استخدام جهاز بسيط وغير مكلف نسبياً عبر ارتدائه حول المعصم قد يساعدنا في اكتشاف التغيرات المبكرة في مسار المرض”.
تصميم الدراسة ومشاركتها
شملت الدراسة 238 شخصاً مصاباً بالتصلب المتعدد، بمتوسط عمر يبلغ 55 عاماً، وكانوا يعانون من المرض لمدة نحو 13 عاماً في المتوسط. وفي بداية الدراسة، كان متوسط مستوى الإعاقة لديهم عند الدرجة الثالثة على مقياس الحالة الموسعة للإعاقة، وهو مقياس يستخدم لتقييم مستوى الإعاقة لدى مرضى التصلب المتعدد. تشير هذه الدرجة إلى عدم وجود مشاكل في المشي، لكنها تعني وجود إعاقة متوسطة في أحد ثمانية أنظمة وظيفية في الجسم، مثل ضعف العضلات أو مشاكل التوازن أو صعوبات التفكير والذاكرة، أو وجود إعاقة خفيفة في ثلاث أو أربع مناطق مختلفة.
لم يعاني المشاركون من أمراض صحية خطيرة أخرى يمكن أن تؤثر في نشاطهم البدني، كما لم يتعرضوا لانتكاسة في مرض التصلب المتعدد خلال الأشهر الستة السابقة لبدء الدراسة. ارتدى المشاركون أجهزة الاستشعار حول المعصم لمدة 24 ساعة يومياً على مدى أسبوعين، لقياس مستويات النشاط البدني لديهم. وتم تكرار هذه العملية كل ثلاثة أشهر على مدار نحو ثلاث سنوات في المتوسط. خلال هذه الفترة، خضع المشاركون لاختبارات كل ستة أشهر لقياس مستوى الإعاقة، كما أُجريت لهم فحوص تصوير للدماغ في بداية الدراسة ثم بعد عامين لرصد أي تغيرات في بنية الدماغ.
تفاقم المرض لدى الأقل نشاطاً
خلال فترة المتابعة، شهد 120 مشاركاً تقدماً في المرض. أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين انخفضت مستويات نشاطهم خلال النهار كانوا أكثر عرضة لتفاقم المرض. كما تبين أن الأشخاص الذين انخفض نشاطهم في النصف الأول من اليوم كانوا أكثر عرضة بنسبة تقارب 20% لتدهور المرض مقارنة بمن لم تنخفض مستويات نشاطهم.
أظهرت البيانات أيضاً أن الانخفاض في النشاط خلال ساعات الصباح، وتحديداً بين الثامنة والعاشرة صباحاً، ارتبط بفقدان أكبر في حجم الدماغ. فكل انخفاض معياري في مستوى النشاط كان مرتبطاً بتراجع قدره 0.18% في الحجم الكلي للدماغ، بالإضافة إلى انخفاض بنسبة 0.34% في حجم المادة الرمادية العميقة، وتراجع بنسبة 0.35% في حجم منطقة المهاد في الدماغ، وهي منطقة تلعب دوراً مهماً في معالجة الإشارات الحسية وتنظيم الحركة والوعي.
يشير الباحثون إلى أن هذه النتائج توضح أن التغيرات البسيطة في أنماط النشاط اليومي قد تكون مؤشراً مبكراً على تدهور المرض، مما قد يتيح للأطباء متابعة المرضى بشكل أدق وتقييم فعالية العلاجات الجديدة بسرعة أكبر. هناك حاجة لمزيد من الدراسات لتأكيد هذه النتائج، لكن العلماء يؤكدون أن الفكرة تبعث على التفاؤل، إذ يمكن أن يساعد استخدام أجهزة سهلة الوصول على التنبؤ بمن هم أكثر عرضة لتدهور المرض وربما منع هذه التغيرات، والكشف عن التغيرات الصغيرة قد يساعد أيضاً في تسريع الأبحاث المتعلقة بتطوير علاجات جديدة.
أشار الباحثون إلى أن للدراسة بعض القيود، إذ لم تشمل مجموعة مقارنة من أشخاص غير مصابين بالتصلب المتعدد، وهو ما كان سيساعد العلماء في فهم كيفية تغير مستويات النشاط مع التقدم الطبيعي في العمر. كما أن المشاركين في الدراسة كانوا في المتوسط أكبر سناً ويعانون مستويات إعاقة أعلى نسبياً، ما يعني أن النتائج قد لا تنطبق بالضرورة على المرضى الأصغر سناً أو الذين يعانون مستويات أقل من الإعاقة.
