في خضم الازدحام وتحت الأمطار الغزيرة، لم تكن تلك الرحلة مجرد علاج لشاب يكافح مرض السرطان، بل كانت تجليًا رائعًا للإنسانية على طرقات الإمارات من دبي إلى الشارقة.
كانت الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الاثنين بداية رحلة “ملحمية” لعائلة مقيمة في الإمارات منذ عام 2004، حيث انطلقت من دبي إلى مستشفى “برجيل” في الشارقة. الشاب “ياسين” البالغ من العمر 21 عامًا، كان يستعد لجلسة الكيماوي الجديدة في معركته ضد سرطان استوطن عظامه قبل عامين، ثم انتقل إلى رئتيه. وبينما كان الوقت يمر ببطء والأمطار تتساقط بغزارة، تسبب ذلك في أزمة مرورية بسبب أول أيام العمل بعد عطلة عيد الفطر؛ فقد مضت ثلاث ساعات والسيارة لا تزال في مكانها، بينما كان ياسين يخوض قتالًا مزدوجًا مع السرطان وهبوط سكر الدم كونه صائمًا استعدادًا للجلسة.
داخل السيارة، بدأ الشحوب يتسلل إلى وجه ياسين، والقلق يسيطر على قلب الأم، والعجز يربط يد الأب. وفي لحظة يأس، لمح الوالد دورية للشرطة تحت المطر، حيث وقف رجل الشرطة متابعًا لحركة السير. ترجل الأب مسرعًا، والماء يبلل ثيابه، وكان يأمل في “مخرج” يتسابق به الزمن، لكن “عين القانون” أدركت ما كان يدور في خلد الأب؛ فقد رأى الشرطي في عينيه الخوف والقلق، وبتحية سريعة، تحول من “منظم حركة” إلى “قائد موكب الإنقاذ”.
موكب إنساني: عشر دقائق انتصرت على ساعات الانتظار
“اتبعني”، كانت تلك العبارة هي طوق النجاة. انطلقت الدورية تخترق الزحام، لكن المفاجأة كانت أكبر؛ فقد استدعى الشرطي سيارة إسعاف كانت في انتظار الطلب في لحظات. تروي الأم المشهد بدهشة: “نزل ياسين بحقيبته وهدوئه المعتاد، صعد إلى الإسعاف، وفجأة وجدنا أنفسنا في موكب رائع؛ حيث كانت صافرات الإسعاف تفتح لنا قلوب الطرق”. الطريق الذي استغرق ثلاث ساعات في الانتظار، تم اجتيازه في عشر دقائق فقط تحت أصوات الصافرات وبدعوات الوالدين.
لم تنتهي القصة عند أبواب المستشفى، فلقد حرص رجال الشرطة على التأكد من وصول “ياسين” وبدء جلسته. ثم استكملوا واجبهم الذي يتخطى القوانين لكنه ينبع من القلوب، حيث فوجئت الأسرة بزيارة من وفد من شرطة الشارقة، حاملين الورود وكلمات تعني الكثير. تلك اللفتة لم تكن مجرد “بروتوكول”، بل كانت دعمًا نفسيًا للشاب الذي يعاني من آثار الكيماوي. تقول الأم بصوت مفعم بالعواطف: “لقد شعر ياسين براحة نفسية كبيرة على عكس حالته عند مغادرتنا المنزل”.
عادت الأسرة إلى منزلها حاملةً قصة لن تُمحى بمرور الوقت؛ قصة عن وطن لا يسأل عن “جنسية” الإنسان عندما تنادي “الإنسانية”، وعن شرطة اختارت أن تكون رمزًا للأمل، والآن ياسين يرقد في سرير الشفاء، متسلحًا بذكريات ذلك اليوم الذي انقشع فيه ضباب الزحام عن وجوه مبتسمة، لتؤكد له أن “الخير” هو الطريق الذي لا يزدحم أبدًا.
