هل يمكن أن يصل إعصار إيطاليا «المدمر» إلى الشواطئ العربية؟
تعيش مناطق جنوب إيطاليا، لليوم الرابع على التوالي، حالة شلل واستنفار تام إثر اجتياح الإعصار «هاري» سواحل البلاد، ما أدى إلى فيضانات ساحلية واسعة، ورياح عاتية أجبرت السلطات على إجلاء عدد كبير من السكان، وتعطيل مظاهر الحياة العامة.
وقد تعرض عمدة مدينة تاورمينا الإيطالية كاتينو دي لوكا، وعمدة بلدية سانتا تيريزا دي ريفا دانييلو لو جوديتشي، لموجة بحرية غير متوقعة أثناء تصويرهما بثاً مباشراً عبر «فيسبوك»، حيث وثقت الكاميرات هذا المشهد الذي انتشر بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي.
Durante una diretta sul lungomare: il sindaco di Taormina, Cateno De Luca, e il sindaco di Santa Teresa di Riva, Danilo Lo Giudice, mentre mostravano in live i danni provocati dal ciclone Harry, sono stati improvvisamente travolti da un’onda. Le immagini raccontano in modo… pic.twitter.com/kKIKWzgRzW
— La Sicilia (@lasiciliait) January 20, 2026
كما أظهرت مقاطع فيديو درامية في جزيرة صقلية، حيث اجتاحت الأمواج الممشى البحري في منطقة «فورجي سيكولو» بمدينة ميسينا، ما أدى إلى غمر مياه شاطئ «سان لورينزو» بالكامل، وتحويل المناطق الساحلية إلى برك هائجة.
IMPRESIONANTE!La tormenta Harry, formada en el Mediterráneo por un profundo sistema de baja presión, ha originado un violento temporal con intensas lluvias y muy fuertes vientos vientos.Enormes olas golpearon e inundaron muchas localidades en la Isla de Sicilia, Italia … pic.twitter.com/YNka7hA3zZ
— Geól. Sergio Almazán (@chematierra) January 20, 2026
وحسب وكالة الأنباء الإيطالية (ANSA)، تسببت الأمطار والرياح العنيفة في تقييد حركة النقل البحري والسكك الحديدية، وإغلاق المدارس في عدة مناطق، مع تحذيرات للمواطنين بتجنب السواحل الخطرة، وغمرت الأمطار المناطق الساحلية بمدينة كاتانيا، ما اضطر عشرات العائلات لإخلاء منازلهم، وظهرت حفر ضخمة على الطرق، بينما انقطعت المواصلات عن سكان جزر إيوليا بعد غمر المياه لموانيهم ومرافقهم الحيوية، وأفادت الوكالة أن الدمار الهائل الذي خلفه الإعصار حول جنوب إيطاليا إلى «ساحة حرب».
هل تتأثر البلدان العربية؟
تأثرت تونس بالفعل، حيث شهدت تقلبات جوية حادة ناجمة عن المنخفض الجوي المتوسطي المعروف باسم «هاري»، ما أسفر عن وفاة 4 أشخاص في مدينة المكنين من ولاية المنستير، مع تسجيل كميات قياسية من الأمطار خلال أقل من 24 ساعة.
وفيما يتعلق بإمكانية تأثير الإعصار على سواحل البلدان العربية الأخرى، أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ في جامعة الزقازيق ونائب رئيس هيئة الأرصاد الجوية السابق، أن احتمال وصول الإعصار إلى مناطق وسط وشرق المتوسط، بما فيها مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وارد لكنه ضعيف جداً، حيث يفقد المنخفض جزءاً كبيراً من طاقته أثناء تحركه في البحر المتوسط، فتبدأ قوته تتراجع تدريجياً.
وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط»: «سيقتصر تأثيره المباشر على السواحل الشمالية لدول غرب المتوسط، مثل تونس والجزائر وليبيا، حيث يظهر على شكل أمطار غزيرة نتيجة قرب هذه المناطق من جنوب إيطاليا».
كما نوه بأن تسمية ما يحدث في إيطاليا بـ«إعصار» ليست دقيقة، لأن الأعاصير تتشكل عادة في المحيطات والبحار الكبيرة، في حين أن البحر المتوسط شبه مغلق، لكنه أكد أن المنخفض الحالي يمكن اعتباره «إعصاراً هادئاً» أو نصف إعصار، مشيراً إلى أن «الأعاصير تتسم بعدة شروط، منها أن درجة حرارة سطح المياه ترتفع عن 27 درجة مئوية، وأن قيمة الضغط الجوي داخل المنخفض تكون أقل من 1000 مليبار».
في ذات السياق، أكد الدكتور محمود شاهين، مدير عام التنبؤات والإنذار المبكر في الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية، أن مصر بعيدة تماماً عن تأثير الإعصار، وأن تأثيره يقتصر جزئياً على غرب المتوسط، خصوصاً تونس وغرب ليبيا، حيث ذكر لـ«الشرق الأوسط» أن التوزيعات الجوية في مصر بعيدة تماماً عن مسار الكتل الهوائية المؤثرة في جنوب إيطاليا، لينحصر التأثير فقط على سواحل جنوب غربي المتوسط في صورة أمطار غزيرة كما هو الحال في تونس حالياً.
تقلبات في تونس
حالت تونس الآن تحت تأثير تقلبات جوية حادة، حيث سُجلت كميات قياسية من الأمطار، وسط حالة من الاستنفار والتأهب، وأعلن المعهد الوطني للرصد الجوي في تونس تصنيف ولايات تونس الكبرى، والوطن القبلي، والمنستير ضمن درجة إنذار شديدة، بينما وضعت ولايات بنزرت وزغوان وسوسة والمهدية وصفاقس ضمن درجة إنذار كبيرة.
ويبيّن معطيات شبكة الأرصاد الجوية الأوروبية، والوكالة الإسبانية للأرصاد الجوية، إضافة إلى منصة (Copernicus)، أن هذا المنخفض الجوي، المتمركز حالياً بين الجزائر وتونس، يُسبب عواصف رعدية مصحوبة بأمطار غزيرة ورياح قوية.
وبناءً على ذلك، دعا المعهد الوطني للرصد الجوي في تونس، بالإضافة إلى وزارات الفلاحة والتجهيز والإسكان، السلطات المكلفة بالنقل، المواطنين إلى توخي الحذر، خاصّة على الطرقات المغمورة بالمياه، مع تعليق الأنشطة المعرّضة لمخاطر الطقس حتى تحسن الوضع.
يشير مختصون في المناخ إلى أن هذا النوع من المنخفضات الشتوية ليس استثنائياً في البحر الأبيض المتوسط، غير أن شدته ومدته قد تتفاقم بفعل التغيرات المناخية، مما يجعله تحدياً عميقاً، وفرصة لتعزيز الموارد المائية، في ظل ضعف مخزون السدود.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير التونسي في التغيرات المناخية حمدي حشاد أن العاصفة «هاري» ناتجة عن تفاعل معقد بين منظومتين جوية وبحرية، فقد بدأ تكوينها باضطراب شديد في الطبقات العليا من الجو، شكل أخدوداً علويًا يمثل ممرًا للهواء القطبي البارد، يتطور أحياناً إلى منخفض ينعزل عن التيار العام، وعند اصطدامه بالهواء الدافئ والرطب في الطبقات الدنيا نشأ فارق حراري عمودي هائل أدى إلى عدم استقرار جوي شديد، دفع الكتل الهوائية للصعود وتشكيل سحب ركامية كثيفة.
وأشار حشاد إلى أن هذا التفاعل شمل عملية تعرف بـ«الولادة الإعصارية»، حيث عزز انخفاض الضغط الدوران الحلزوني للرياح حول مركز العاصفة، ومنح الجبهات الجوية قوة اندفاع نحو اليابسة، كما لعب البحر المتوسط دوراً مركزياً؛ إذ ساعدت «الذاكرة الحرارية» الناتجة عن الصيف الحار لعام 2025 على زيادة الطاقة المائية والرطوبة في الغلاف الجوي، مما زاد من قوة العاصفة.
واختتم حشاد بالقول إن العاصفة «هاري» نتجت عن تفاعل نظام ضغط واسع ومخلفات موجات الحرارة البحرية لعام 2025، محولة سيناريو شتوياً معتاداً إلى نمط أكثر حدة.
